صراع الخصوصية والظهور، كيف تعيد السوشيال ميديا تشكيل هوية بنات الصعيد؟
- منة الله كامل محرم

- Nov 25
- 3 min read
بقلم منة الله كامل محرم

لم تعد قضايا المرأة في صعيد مصر محصورة في الحرمان من التعليم أو الزواج المبكر. الصورة اليوم أكثر تشابكًا، فجيل جديد من الفتيات وجد نفسه في مفترق صنعته وسائل التواصل الاجتماعي، بين إرث اجتماعي يحمي الصورة والصوت من التداول العام، وبين رغبة صاعدة في التعبير والانخراط في عالم رقمي واسع يَعِدُ بالفرص والظهور.
الصعيد والسوشيال ميديا بالأرقام
يشير تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2023 إلى أن نسبة مستخدمي الإنترنت في الريف المصري تجاوزت 65 في المئة، بينما بلغت في محافظات الصعيد نحو 58 في المئة. هذه الأرقام تكشف أن الفتيات أصبحن جزءًا أساسيًا من جمهور المنصات الرقمية، خصوصًا فيسبوك وتيك توك. ومع ذلك، توضح دراسات اجتماعية أن مشاركة الفتيات بالمحتوى المرئي لا تزال أقل بكثير من مشاركة الذكور، وهو انعكاس لاستمرار منظومة القيم التي تربط ظهور الفتاة أمام العامة بمعايير شرف وخصوصية.
بين الهوية والظهور
التنشئة الصعيدية تزرع في الفتاة قناعة بأن صورتها وصوتها امتداد لسمعتها. في دراسة ميدانية أعدتها د. سحر محمد وهبي من جامعة سوهاج بعنوان “اتجاهات المرأة الصعيدية المتميزة نحو صورتها في وسائل الإعلام”، وثقت أن نساء الصعيد يحرصن على ضبط أي حضور إعلامي يحافظ على مكانة الأسرة واحترام المجتمع. هذا الجذر القديم للعلاقة الحذرة مع الإعلام اشتد وضوحًا مع دخول السوشيال ميديا التي تفرض حضورًا مباشرًا لا يمكن الالتفاف حوله.
وفي ظل الطفرة الرقمية، أصبح الظهور ليس رفاهية بل وسيلة للتعبير وربما مصدرًا للدخل. هنا يظهر التوتر بين المحافظة على الهوية والانفتاح على جمهور بلا حدود.
نماذج ملهمة من قلب الصعيد
على الرغم من الحذر، برزت تجارب استطاعت المزج بين الخصوصية والمشاركة.
في المنيا، أنشأت شابة مشروعًا لبيع الإكسسوارات عبر إنستجرام مستخدمة صور المنتجات فقط، فبلغت آلاف العملاء. وفي أسيوط، تحولت سيدة إلى مؤثرة في المطبخ الصعيدي تقدم وصفات تراثية عبر فيسبوك لايف، وبات لديها أكثر من مئتي ألف متابع.
هذه النماذج قدّمت رسالة مضمَرة لبنات جيلها، أن المشاركة ممكنة دون التنازل عن الخصوصية.
الجانب الآخر، تعميق الأزمة
لكن الوجه الأقل إشراقًا حاضر بقوة. بعض الفتيات ظهرن بمحتوى أكثر شخصية، فتعرضن لتنمر وانتقاد وصل إلى البيوت قبل أن يصل إلى المنصات. إحدى الفتيات في قنا روت لصحيفة «المصري اليوم» أنها توقفت عن نشر فيديوهات غنائية بعدما واجهت تعليقات قاسية من الأقارب والغرباء. مثل هذه التجارب جعلت الكثيرات أكثر ترددًا، وطرحن السؤال الصعب: هل الانفتاح مكسب أو خسارة اجتماعية؟
قراءة تحليلية، أزمة داخلية قبل أن تكون مجتمعية
يرى باحثون أن التوتر الذي تعيشه الفتاة الصعيدية ليس رفضًا اجتماعيًا فقط، بل صراعًا داخليًا بين الانتماء إلى بيئة محافظة والرغبة في حضور رقمي يضعها في دائرة الضوء. كثير من الفتيات يمارسن رقابة ذاتية تفوق رقابة الأسرة خوفًا من سوء الفهم أو إساءة التأويل، وهذا ما يفسر محدودية المشاركة رغم ارتفاع أعداد المستخدمين.
المستقبل، صيغة جديدة؟
السوشيال ميديا لم تكن بابًا للتحرر الكامل، ولم تكن أداة للقيد الخالص. هي مساحة فرضت على الفتيات سؤالًا جديدًا، كيف يمكن ابتكار مشاركة رقمية تحافظ على الخصوصية ولا تُقصيهن عن حق التعبير؟ بعض المبادرات المحلية بدأت ملامح الإجابة، من صفحات تعزز الأمان الرقمي إلى حملات تشجع دخول المرأة لمشاريع عبر الإنترنت دون الحاجة لظهور شخصي.
خاتمة
الفتاة الصعيدية لا تبحث عن قطيعة مع تقاليدها، ولا تستسلم لقيود تحجب حضورها. ما تبحث عنه مساحة وسط، تتسع لصورتها وصوتها دون أن تهدد انتماءها. هذه المساحة لم تكتمل ملامحها بعد، لكنها التحدي الأوضح لجيل كامل من نساء الصعيد في عصر السوشيال ميديا.
منة الله كامل محرم، ليسانس آداب إعلام، كاتبة مصرية تهتم بقضايا المرأة في الصعيد، وتكتب من منظور اجتماعي يعكس خصوصية البيئة الصعيدية، وتطمح إلى صوت يزاوج بين الهوية المحلية وأسئلة العصر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments