العدالة في المجتمع العربي: نحو تأسيس إنساني لجوهر العدالة
- جواد عامر

- Nov 4, 2025
- 3 min read
بقلم جواد عامر

تُعد العدالة حجر الزاوية في استقرار المجتمعات وتوازنها. وهي في جوهرها ليست مفهوماً قانونياً فحسب، بل قيمة إنسانية كبرى تقوم على المساواة في الحقوق والفرص، وعلى شعور الفرد بأن النظام الذي يعيش في ظله يحترم كرامته. فالعدل يعني الاستقامة والاتزان في الحكم والمعاملة، كما يعني أن لا يُمنح أحد امتيازاً على حساب آخر دون استحقاق.
منذ الفلسفة اليونانية، شغلت العدالة أذهان المفكرين بوصفها أساس الاجتماع الإنساني. رأى السفسطائيون أنها نتاج القوة وأن القوانين تُسن لخدمة الأقوياء، فيما اعتبر أفلاطون أنها نظام متكامل ينسق بين وظائف المجتمع ويمنع الظلم من أي طرف. أما أرسطو فربطها بالفضيلة، إذ لا عدالة بلا سلوك فاضل. في العصور الحديثة، انتقلت العدالة من المفهوم الأخلاقي إلى المفهوم المؤسسي. فتوماس هوبز ربطها بالقانون المدني، وروسو عدّها فطرة متجذرة في النفس البشرية تسبق القوانين، بينما جعلها كانط الضامن لتوازن حرية الفرد مع حرية الآخرين. هيغل، بدوره، نظر إليها كتحقق للوعي بالذات في الواقع الاجتماعي، أي أن العدالة لا تكتمل إلا حين تتحول من فكرة إلى ممارسة في الفضاء العام.
هذا التطور الفلسفي أفرز وعياً جديداً بدور العدالة في بناء الدولة الحديثة. فمع مفكري التنوير كفولتير وديدرو وروسو ومونتسكيو، أصبحت العدالة عنصراً من عناصر الحداثة السياسية، تحكم العلاقات بين الأفراد والسلطة وتؤسس لعقد اجتماعي يقوم على الحقوق لا على الامتيازات. وقد كان لهذه الرؤية أثر بالغ في الانتقال من الإقطاع والملكية المطلقة إلى الدولة المدنية القائمة على القانون والمواطنة.
لكن في المقابل، ما زالت العدالة في العالم العربي فكرة معلّقة بين المثال والواقع. فالمجتمعات العربية، رغم ما تمتلكه من موارد بشرية وطبيعية ضخمة، تعاني من خلل هيكلي في توزيع الثروة والفرص. فغياب العدالة الاجتماعية يؤدي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات، وإلى انقسامات حادة بين فئات المجتمع، تُضعف الانتماء الوطني وتُفرغ القوانين من معناها الأخلاقي.
العدالة ليست شعاراً بل ممارسة يومية. تبدأ من المدرسة حين تُمنح الفرص التعليمية على أساس الكفاءة لا الواسطة، ومن مكان العمل حين يُكافأ الجهد لا الولاء، ومن القضاء حين تُطبق القوانين على الجميع بلا استثناء. المجتمعات التي تغيب عنها هذه المعايير تفقد قدرتها على التقدم لأنها تفقد إيمان مواطنيها بإمكانية الإصلاح.
إن التاريخ يؤكد أن الحضارات لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدل الذي يمنح القوة مشروعيتها. فحين يسود الظلم، تنكمش الطاقات، وتتحول الدولة إلى ساحة صراع بين الامتيازات والمصالح. أما حين تُرسخ العدالة، فإنها تحرر الفرد وتعيد الثقة بالعقد الاجتماعي. هذه كانت نقطة التحول في أوروبا الحديثة حين أدركت أن العدالة ليست رفاهية أخلاقية بل ضرورة سياسية واقتصادية لبقاء المجتمع.
العدالة في العالم العربي اليوم مشروع حضاري مؤجل. فمع تفاقم الفوارق الطبقية واحتكار السلطة والثروة في أيدي قلة، يتنامى الإحساس بالغبن لدى فئات واسعة، خصوصاً الشباب الذين يشعرون بأن مستقبلهم مرهون بشبكات النفوذ لا بقدراتهم. لذلك تتكرر المطالب في الشوارع العربية بالكرامة والمساواة وفرص العمل والتعليم. هذه المطالب ليست سياسية فحسب، بل تعبير عن عطش عميق للعدالة بوصفها الحق في حياة كريمة.
تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمعات العربية يستلزم إرادة سياسية واضحة وإصلاحاً مؤسسياً شاملاً. فلا يمكن بناء مجتمع عادل بوجود أنظمة تكرّس التمييز أو تهمّش الفئات الضعيفة. المطلوب هو إعادة توزيع الموارد بشكل منصف، وضمان الوصول العادل إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين والمناطق الاجتماعية كافة.
كما أن العدالة لا تكتمل من دون مشاركة المجتمع المدني في الرقابة والتخطيط والتنفيذ. فالدولة وحدها لا تستطيع ضبط كل المفاصل، والمجتمع المدني هو الجسر بين القانون والممارسة، بين النص والواقع. حين تُفعل المؤسسات المستقلة وتُصان حرية الصحافة، يصبح للعدالة معنى عملي، لأنها تتحول من خطاب إلى ثقافة عامة.
إن العدالة ليست فقط في نصوص الدساتير، بل في السلوك الجمعي الذي يرفض التمييز والفساد، ويعلي من شأن الكفاءة. عندما يدرك المواطن العربي أن نجاحه لا يعتمد على من يعرفه بل على ما يعرفه، حينها فقط يمكن أن نبدأ بالحديث عن تحول حقيقي نحو مجتمع عادل.
العدالة ليست ترفاً فكرياً بل شرطاً لبقاء الدول. من دونها تفقد المجتمعات توازنها، وتتحول الثروة إلى عبء، والسلطة إلى صراع دائم. والعدالة الاجتماعية، في جوهرها، هي إعادة تعريف للسلطة والموارد بما يضمن إنسانية الجميع. هي المبدأ الذي يعيد للإنسان العربي ثقته بنفسه وبوطنه، ويدفعه إلى المشاركة في بناء مستقبل يستند إلى المساواة لا الامتياز، وإلى الكفاءة لا الولاء.
فمن دون عدالة، لا يمكن أن تكون هناك حرية حقيقية، ولا نهضة مستدامة، ولا حضارة قادرة على البقاء.
جواد عامر، كاتب وباحث مغربي متخصص بالأدب العربي، نشر في مجلات عربية مرموقة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments