قصص النساء: من الهوامش إلى صميم التاريخ
- جوهرة الصبحي
- Sep 26, 2025
- 3 min read
بقلم جوهرة الصبحي

منذ فجر التاريخ، كانت المرأة حاضرة في بناء الحضارات، لكنها في الوقت نفسه عانت من التهميش والحرمان من أبسط حقوقها.
ومع ذلك، لم تكن يومًا غائبة عن المشهد، فهي الكون كلّه، لا مجرد مركز له. رمز للقوة والجمال، قادرة على تحويل الألم إلى طاقة، والجرح إلى فرصة. ليست عابرة في زحام الحياة، بل قصة تُروى على مرّ الأجيال، نورًا أو نارًا، في الحالتين ستضيء. لا خوف على امرأة تعرف قيمتها، وتدرك أن انعكاسها في المرآة ليس صورة جامدة، بل وعد متجدد بالنهوض أقوى في كل مرة. إنها الجذر الذي يشدّ الشجرة إلى الأرض، والجناح الذي يرفعها إلى السماء، البداية والاستمرار معًا.
على مرّ العصور، حاولت بعض المجتمعات أن تدفن صوتها في الهوامش، فحُرمت من التعليم والميراث والمشاركة في القرار، لكن التاريخ لم يستطع أن يتجاهل حضورها. ملكات ومصلحات وشاعرات وعالمات تركن بصماتهن على وجه العالم: من كليوباترا والملكة بلقيس إلى هيلين كيلر، ومن النساء اللواتي قُدن جيوشًا إلى اللواتي ألهمن شعوبًا بأقلامهن وأفكارهن. وفي القرون الأخيرة، ارتفعت الأصوات أكثر وضوحًا، فخرجت الحركات النسائية تطالب بحقوق التعليم والتصويت والمشاركة السياسية والمساواة أمام القانون، لتصنع تغييرات لا تزال في طور الاكتمال.
اليوم، ورغم ما تحقق من إنجازات، فإن الطريق لا يزال مليئًا بالتحديات. الفتيات يملأن الجامعات، والنساء يتولين المناصب العليا، ويصنعن ثقلًا اقتصاديًا وفنيًا وإعلاميًا لافتًا، لكن فجوة الأجور باقية، والصور النمطية لا تزال تقيّد أحلام كثيرات، والعنف بأشكاله المختلفة يطاردهن في البيت والشارع ومواقع العمل، والتمثيل السياسي غالبًا لا يعكس حجم مشاركتهن الفعلية في المجتمع. ومع ذلك، يظل تمكين المرأة ركنًا أساسيًا لأي مشروع تنموي جاد. تعليمها يرفع مستوى الوعي والصحة العامة، ويقلل نسب الفقر، ومشاركتها في الاقتصاد تضاعف الإنتاجية، وفي السياسة تمنح القرارات بعدًا أكثر عدلًا وتوازنًا.
لكن الحقيقة أن القوانين وحدها لا تكفي. فحتى لو تغيرت النصوص، تبقى الثقافة هي الميدان الأوسع للمعركة. نحتاج إلى إعلام يبرز النماذج الناجحة بدلًا من تكريس الصور الباهتة، وإلى مبادرات تُشجع الفتيات على دخول مجالات العلوم والتكنولوجيا والسياسة، وإلى دعم مشاريع صغيرة تقودها النساء ليصنعن من خلالها تغييرًا ملموسًا. والأهم من ذلك كله، نحتاج إلى الاعتراف بأن قصص النساء ليست هامشًا، بل متن الحياة ذاتها.
فالمرأة التي تُفتح أمامها أبواب الفرص قادرة على إعادة صياغة المستقبل برمّته. يكفي أن نمنحها حقها في الحلم حتى يتحول الحلم إلى واقع. هي التي تبني وتهدم وتعيد البناء من جديد، التي تعطي بلا انتظار، وتعلّم بلا مقابل، وتصبر بلا شكوى. حين نحتفي بها لا نكرم شخصًا واحدًا بل نكرم التاريخ والمستقبل في آن واحد. وإذا كان المجتمع مرآة لأفراده، فإن صورته لن تكون كاملة إلا حين تعكس وجه المرأة بكرامة وحرية وعدل. إن إنصافها ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو استثمار في إنسانيتنا المشتركة، وضمانة لأن تكون الحياة أرحب وأكثر إشراقًا للجميع.
في العالم العربي تحديدًا، برزت أصوات نسائية أدهشت الناس بقدرتها على حمل قضايا الملايين من اللواتي لم تتح لهن فرصة التعبير. صحفيات وأديبات وفنانات وناشطات قدّمن برهانًا حيًا على أن المرأة حين تُمنح المساحة تصنع المعجزات. وما أصواتهن إلا إشارات لطريق طويل لا يزال يحتاج إلى من يكمله.
إن قضية المرأة ليست قضية النساء وحدهن، بل هي قضية إنسانية تمس كل من يؤمن بالعدالة.
مجتمع يُنصف المرأة هو مجتمع يُنصف أبناءه جميعًا. لقد حان الوقت لنتجاوز مرحلة الحديث عن "إعطائها" حقوقها، إلى مرحلة الاعتراف بأنها تملكها أصلًا، وأن مسؤوليتنا جميعًا هي إزالة العوائق من أمامها. بقدر ما ننصفها، بقدر ما نرسم مستقبلًا أكثر عدلًا وإنسانية لنا جميعًا.
جوهرة الصبحي، 17 عامًا، كاتبة وبودكاستر. شغوفة بتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والثقافية وتعزيز قيم العدالة الإنسانية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.




Comments