top of page
  • Instagram

أصفاد الحرية لا تُرى

  • Writer: بكاي محمد المرتضى
    بكاي محمد المرتضى
  • Oct 26
  • 3 min read

بقلم: بكاي محمد المرتضى


handcuffs of freedom


إيمان الإنسان بحقه في الحرية المطلقة غالبًا ما يقوم على تعسفٍ وغفلةٍ عن إيمان الآخرين، فيرى لنفسه الحق في قول ما يشاء، ولو حمل كلامه ظلماً أو تجنّيًا على غيره. يطالب بحرية صوته، لكنه يرفضها لخصومه تحت ذريعة "الحدود الشخصية" و"منع الإساءة".

فهل حرية التعبير تعني أن نقول ما نريد فقط؟ أم أنها في فتح المجال للنقد والنقاش حتى نصبح جميعًا جزءًا من قضية عامة تتلاقى حولها الآراء المؤيدة والمعارضة؟


حين يحاول الإنسان كسر قيود الصمت التي فرضها عليه أصحاب السلطة، أو المجتمع أحيانًا، يجد نفسه مضطرًا لتبني خطابٍ تحرريٍ يخدم قضيته، ثم يدرك أن صوته وحده لا يكفي، وأن النضال لا يكون بالكلمات فقط، بل ببناء جبهة واعية قادرة على الوقوف في وجه الظلم.لكن هذه الجبهة تتلقى أولى الضربات من الداخل، حين تواجه مجتمعًا راضيًا يصدق الإشاعات التي تصفها بـ"المتطرفة"، فتتحول معركتها إلى صراع مع مفاهيم مغلوطة ووعي مغيب.


تخضع الكلمة، في نهاية المطاف، لمشروعية "اليد العليا"، التي تسمح بالحرية ما دامت لا تمسّ شرف النظام أو رموزه. وهكذا، تبقى حرية التعبير مشروطة، يراها البعض "حدودًا" تحفظ النظام، ويرى فيها آخرون "قيودًا" تكبّل الفكر وتمنع رؤية أفقٍ أوسع.


لا نظام يستطيع أن يحقق كل متطلبات شعبه، فحتى النظام العادل يُنتقد لأتفه الأسباب. كمن يهاجم شركة ضخمة لأنها باعت كيس طحين فاسد واحد، رغم أن الخطأ من المصنع، لا منها. ومع ذلك، تتحمل الشركة اللوم لأنها الاسم الظاهر.كذلك هو الحال مع الأنظمة؛ الشعب حرّ في انتقاده، والسلطة حرّة في تجاهله — ما لم يتجاوز النقد الكلام إلى الفعل، وهنا تتدخل القوة.


لكن ماذا لو كانت "السلطة" مكان "الشركة"؟ هل سينفع النقد حينها؟ نعم، إن سُمح له أن يُقال أصلًا.


تمنع بعض الأنظمة النقد السياسي بذريعة "الأمن القومي"، كما لو أن المواطن يعيش ورأسه داخل فم أسد، يخشى حتى التفكير في الكلام، لا قوله.لكن، هل الحرية المطلقة ممكنة؟ منحها للجاهل يشبه إعطاء سلاحٍ لمجنون؛ كلاهما خطر، وإن كان يمكن السيطرة على الجهل بالتخويف، فالعقوبة في بعض الأحيان وسيلة لضبط الفوضى لا لقمع الحق.


الشعب يملك حرية التفكير وحرية التعبير، لكن قلّما يجمع بينهما. فالتفكير بلا تعبير جنون صامت، والتعبير بلا تفكير لغوٌ فارغ. أخطر ما في الأمر أن يتألم الإنسان ولا يُسمع أنينه.


تخاف الأنظمة من اجتماع الحريتين، لأن التفكير الواعي مع القدرة على التعبير يولّد شعلةً تهزّ النظام ذاته. فمن يستخدم عقله حقًا، يدرك حجم المخاطرة حين يحاول إيقاظ ضميرٍ مجتمعيٍّ ميت.


ذات يوم، حلق غراب قرب منزلٍ، فشاهد ببغاءً في قفصٍ حديدي. اقترب وسأله عن سبب سجنه. أجاب الببغاء ببساطة: "لأنني أتحدث."خرج الببغاء عن نمط فصيلته الطبيعي — التغريد — فدفع ثمن حريته.

"تحدث معي بأدب وخفّض صوتك، أنت تتحدث مع مواطنٍ أعطاك صوته!" تُظهر هذه العبارة أن الحريات ليست متساوية، وأن الجرأة في الكلام قد توازي السلطة للحظات، لكنها لحظات ثمينة تكشف المعنى الحقيقي لحرية التعبير حين تكون الكلمة دفاعًا عن الحق.

قصة المزارع الذي واجه الرئيس الفرنسي — رغم كونها مفبركة — جسدت كيف يمكن للحظة شجاعة أن تهزّ وجدان أمة بأكملها.

لكن، هل ما زال الناس يؤمنون بحرية التعبير فعلًا؟ أم أنهم يتذكرونها فقط حين تمسّ مصالحهم؟كم من القضايا طُمست لأن أصحابها قلّة! حتى صار الصمت عادة، والتقليد الأعمى سلوكًا عامًا، والجدال الحر شبه معدوم، والتبعية قدرًا لا يُردّ.أصبح من يعلم الناس دينهم متهمًا، ومن يحاول الإصلاح مذمومًا، وصار الظالم يُرحم والمظلوم يُنسى.


عذرًا... ربما أهذي. أو لعلني أخيرًا أتحدث بما كان مكتومًا.


بكاي محمد المرتضى – كاتب وروائي جزائري شاب

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page