top of page
  • Instagram

الذاكرة المسروقة: حاضرٌ يُمحى من كتبنا

  • Writer: هبة عمران طوالبة
    هبة عمران طوالبة
  • Sep 29, 2025
  • 3 min read

بقلم هبة عمران طوالبة

ree

نبحث عن أرواح التاريخ، لكننا لا نجد للحاضر مكانًا. لماذا تُمحى الأحداث التي عشناها بأعيننا من كتب المناهج، بينما هي التي شكّلت وعي شعوبنا وغيّرت مسار المنطقة العربية؟

لماذا لا يُكتب عن الربيع العربي، عن الميادين التي امتلأت بالهتاف للحرية، وعن الشعوب التي دفعت دماءها ثمنًا للكرامة؟ لماذا لا ندرّس تاريخ غزة، التي تصنع ملحمة كل يوم، أو مأساة سوريا، التي نُهشت بأنياب نظام بشار الأسد؟

إن غياب التاريخ الحاضر عن المناهج ليس مجرد سهو تربوي، بل خطأ استراتيجي يمسّ هوية الأجيال. حين لا يوثّق الحاضر، يصبح وعي الطلاب مرهونًا بما تروّجه منصات التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقيقة بالدعاية، والذاكرة بالتزييف.

التعليم لا يحمي فقط من الجهل، بل يحمي من فقدان الرواية. وإن لم نكتب روايتنا نحن، سيكتبها الآخرون وفق مصالحهم، فتضيع دماء التضحيات بين سطور الآخرين.

التاريخ الحاضر ليس مجرد أحداث، بل دروس حيّة تزرع القيم وتبني وعيًا نقديًا. كيف يفهم شاب معنى الحرية إن لم يعرف ثمنها؟ كيف يدرك قيمة الكرامة إن لم يرَ أمامه قصص الذين واجهوا الرصاص بصدور عارية؟ كتابة الحاضر ليست رفاهية فكرية، بل مدرسة في الوطنية والمقاومة، أهم من أي درس في الماضي البعيد.


من تونس إلى مصر، ومن ليبيا إلى اليمن، خرج الناس يهتفون للكرامة. كانت لحظة استثنائية كسرت جدار الصمت وأعلنت أن الشعوب حيّة. سقط نظام بن علي في تونس، وامتلأت ميادين مصر بالملايين، بينما عانت ليبيا واليمن ويلات الحروب. ومع ذلك، لم تدخل هذه اللحظات كتب المناهج.


كيف نربي جيلًا لا يعرف أن أجداده القريبين حلموا بالحرية وواجهوا الدبابات بصدور عارية؟


وسوريا لم تكن خبرًا عابرًا، بل مأساة ممتدة، جرحًا مفتوحًا على جسد الأمة. ملايين القتلى والمهجّرين، مدن تحوّلت إلى ركام، وأطفال يبحثون عن مأوى. ومع كل ذلك ظل السوريون يحاولون النهوض، يرممون ما تهدّم ويحلمون بالحرية. أليس هذا درسًا في الصمود يستحق أن يُوثّق؟


أما غزة، فهي كتاب مفتوح في الصمود. كل بيت يُهدم ويُعاد بناؤه، كل طفل يخرج من تحت الركام بابتسامة هو شهادة أن الكرامة لا تُهزم. غزة ليست مجرد مدينة محاصرة، بل مدرسة للتاريخ الحي، ولكننا نتركها بلا تدوين، وكأنها فصل منسي في كتاب الإنسانية.

إن تجاهل هذه الوقائع لا يعني فقط محوها من الورق، بل محوها من الوعي الجمعي. الأمم التي لا تكتب حاضرها تترك أبناءها بلا بوصلة، ليتشردوا في روايات الآخرين. حين نُقصي حاضرنا من المناهج، نحن لا نحمي الطلاب من السياسة، بل نتركهم عُرضة للجهل والإنكار والتشويه.


المناهج ليست لحفظ تواريخ الملوك والغزوات فقط، بل لبناء مواطن قادر على النقد والفهم. تدريس الحاضر يمنح الطالب أدوات لفهم العالم، ليربط بين الماضي وما يعيشه اليوم، وليدرك أن الحرية والكرامة ليست شعارات مجردة، بل تجارب دم ودموع عاشها أشخاص حقيقيون.

التاريخ الحاضر هو مرآة الشعوب. أن نمحوه من كتبنا يعني أن نمحو ذاكرتنا بأيدينا. إنصاف الحاضر لا يقل أهمية عن حفظ الماضي، لأنه يضمن أن يظل وعي الأمة حيًا، وأن تبقى الشعوب متجذّرة في حقيقتها لا في ما يكتبه الآخرون عنها.

بل إن تدريس هذه اللحظات لا يقتصر على نقل المعلومة، بل يمنح الأجيال أداة للمقاومة ضد النسيان وضد الاستبداد. أن يعرف الطالب أن الحرية ليست منحة بل حق، وأن الكرامة لا تُشترى بل تُنتزع، هذه هي القيمة الكبرى التي تصنع إنسانًا قادرًا على الدفاع عن وطنه. إن غرس الحاضر في المناهج يعني أن نمنح أبناءنا هوية راسخة، تمنعهم من الانجرار وراء السرديات المزيّفة، وتجعلهم قادرين على مواجهة كل محاولات طمس الحقيقة.


إن الأجيال القادمة تستحق أن تقرأ عن التضحيات لا أن تسمعها كحكايات مشوشة على أطراف المقاهي أو في زوايا الإنترنت. يستحقون أن تكون ذاكرتهم ملكهم، لا أداة بيد الآخرين. إن كتابة الحاضر اليوم ليست خيارًا، بل مسؤولية تاريخية علينا جميعًا.


هبة عمران طوالبة – كاتبة وقاصة أردنية، معروفة بمشاركاتها في الكتابة الإبداعية والسياسية، وحاصلة على عدة جوائز عربية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.

Comments


bottom of page