نهج التفكير المزدوج وتأثيره في الحياة الاجتماعية والسياسية
- لجين مراد صالح الفرزعي
- Nov 25, 2025
- 3 min read
بقلم لجين مراد صالح الفرزعي

التفكير المزدوج مصطلح وضعه جورج أورويل في روايته 1984. يشير إلى قدرة الإنسان على الإيمان بحقيقتين متناقضتين في الوقت نفسه، مما يخلق صراعات نفسية وتناقضات داخلية. ورغم أن المفهوم ظهر في سياقٍ روائي قاتم، فإنه ليس خيالاً محضاً، بل يتسلل إلى حياتنا اليومية في مواقف صغيرة وكبيرة، غالباً من دون أن ننتبه له.
السياسة والتفكير المزدوج
اعتمدت الرواية هذا المفهوم أداةً سياسية، خصوصاً من خلال اللغة المقلوبة التي يستخدمها النظام الشمولي. في الواقع المعاصر تمارس سلطات عدة شكلاً مماثلاً عبر الإعلام الذي يصبح أداة لتوجيه التفكير وخلق التباسات متعمدة.
فعلى سبيل المثال، ترفع بعض الحكومات شعارات حرية الرأي والتعبير، بينما تقمع في الممارسة محاولات كشف الفساد أو جرائم الدولة، بمجرد أن ترى فيها تهديداً لصورتها. في كثير من الدول يظهر تناقض واضح بين الدستور والواقع الأمني، مما يترك لدى الشعوب حالة تفكير مزدوج تجاه السلطة.
يبرز ذلك أيضاً في المواقف من الجماعات المتطرفة أو النزعات السادية. نرى أشخاصاً يتعاطفون مع ضحايا الجرائم النازية، ثم يدعمون في الوقت نفسه السياسات القمعية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. وتظهر المفارقة كذلك في جماعات تنادي بالسلام والرحمة بالحيوان بينما تصمت بالكامل أمام المجازر في فلسطين.
وتتجلى هذه الازدواجية في الجماعات السياسية التي تستتر بالدين، فتفعل ما يناقض جوهره. وفي الصين تتعرض أقلية الإيغور المسلمة لانتهاكات واسعة، بينما تحظى أقلية الهوي المسلمة بتعامل أقل قسوة. الإعلام يسهم في خلق صورة مضللة توحي بأن المشكلة دينية، بينما جذورها سياسية، مما يؤدي إلى ازدواجية في فهم الرأي العام.
التفكير المزدوج والحياة الاجتماعية
ينتج عن التفكير المزدوج مجتمع متناقض ومشوَّه معرفياً.
وعندما تنتقل هذه التشوهات من جيل إلى آخر تصبح عقبة أمام تطور المجتمع. يرتبط ذلك بازدواجية المعايير، خصوصاً في البيئات العربية والإسلامية المنخفضة الوعي. يظهر ذلك في المواقف من العلاقات العاطفية خارج إطار الزواج، إذ يُعد الأمر للرجل نزوة بسيطة، بينما يُعامل كعار يلطخ سمعة المرأة وأسرتها، رغم أن القواعد الدينية لا تفرق بينهما في الحكم.
وتظهر الازدواجية أيضاً في تربية الفتيات، حيث يطالب الرجل بطبيبات ومعلمات من النساء حفاظاً على الخصوصية، لكنه قد يمنع المرأة من اختيار مهنتها أو عملها، بل قد يرفض عملها من الأساس.
التنافر المعرفي
يقود التفكير المزدوج إلى ما يعرف بالتنافر المعرفي، وهي نظرية وضعها عالم النفس والاجتماع ليون فستنغر. وهي حالة من التوتر النفسي تنشأ عندما يتعارض السلوك مع المعتقد. العقل يحاول معالجة هذا التناقض عبر تبرير السلوك أو تعديل المعتقد.
الطفل يواجه هذا التنافر عندما يعتقد أن والديه يحبانه ثم يتلقى معاملة معاكسة. والمدخن يعلم أن التدخين مؤذ لكنه يستمر في فعله. وحتى الشركات المصنعة للسجائر تضع التحذيرات على علب الدخان بينما تواصل إنتاجه وتسويقه.
هذا النوع من التناقض قد يدفع بعض الأفراد إلى تبرير سلوكيات أسوأ. على سبيل المثال قدم الباحث فيليب زيمباردو تفسيرات تبريرية لسلوك الجيش الأمريكي في سجن أبو غريب، مستنداً إلى نتائجه في تجربة سجن ستانفورد، وكأنه يعطي شرعية للعنف باعتباره نتيجة للانتماء وليس لاختيارٍ فردي. وينطبق الأمر نفسه على الجماعات المتطرفة التي تستخدم الأيديولوجيا لتبرير العنف باسم الدين.
كيف نواجه التفكير المزدوج؟
الوقاية تبدأ بالوعي. التنشئة على التفكير النقدي، والتجربة، والتحقق من المعلومات، ومنع التلقين الأعمى، كلها وسائل تحمي الإنسان من السقوط في فخ التناقضات الداخلية. وعندما يجد الفرد نفسه غارقاً في ازدواجية التفكير يصبح الحل في تقليل المشتتات، وتجنب المحتوى السطحي، والاعتماد على مصادر موثوقة.
ختاماً
التفكير المزدوج والتنافر المعرفي ليسا مجرد تناقض بسيط، بل حالة ذهنية معقدة تُنتج تبريرات لأفعال متناقضة من دون إدراكٍ كافٍ للتناقض. قد يقود ذلك إلى ضغوط نفسية وصراعات داخلية تمتد آثارها إلى الحياة السياسية والاجتماعية والدينية، وقد تتطور إلى مشكلات نفسية تحتاج إلى علاج.
المجتمعات التي تُبنى على هذه التشوهات الفكرية تظل معرضة للركود والمعالجات الخاطئة.
لجين مراد صالح الفرزعي، من اليمن، مهتمة بالكتابة والقراءة والرسم والقضايا الاجتماعية والسياسية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments