top of page
  • Instagram

صفعات التمييز التي انتشلت الأقليات من المستنقع وألقتها في خانات الغياب

  • Writer: محمد خالد
    محمد خالد
  • Nov 17, 2025
  • 3 min read

بقلم محمد خالد


ree

كان من يعتقد أن الأعشاب تحرك صراع الفيلة لا يدرك أن العقل ذاته هو بذرة السموم الأولى. اقترب البعض من اللهب ظنًا أنه مطلي بالألوان، بينما كانت ألوان العصور الوسطى المهرجية تحارب الفراشات بأغصان التين، والمحظورات تنتفض في بقاع تحاول أن تُخفي الحقائق. في تلك الميادين المكتظة، امتلك البعض جماجم معتقة داخل أوكار مهجورة، يسعون للسيطرة على الحقيقة بينما الآخرون يبحثون عن أدنى ذرة منها.

لم يكن الهذيان مجرد تشويش، بل كان هروبًا من مواجهة نوّات جنونية نسجها حكام التوقيت. الصفعات المتتالية تتهاوى، الأذرع تتشابك، ثم يهمس أحدهم في أذن الضحية: "سنذهب لنطلب السماح، وأنت ستأتي معنا، ليس مهمًا إن لم تكن مذنبًا!" هكذا تُرسل النفوس مكيالًا من الصفح، لتعود فارغة تبحث عن الأعشاب مرة أخرى، وكأن الحرية ما زالت مستعصية على الجميع.

في تلك المرحلة، كان من يرفع بصره يظن أن الأرض أسفل السماء، والسماء فوق الأرض، وهو في المنتصف. يشتري الخدع ليرى سذاجته تطايرًا، ويسقط بعيدًا دون أن يلتقي بالمساء أو يصطدم بالأرض. حاول البعض اقتفاء أثر المذاهب الجانحة نحو الغروب ظنًا أن الغروب يقتلع الآثام، لكن الوعي وجههم مباشرة نحو مصارعين آخرين. العودة من هناك لا تشبه أي شيء على الإطلاق، كأنك ترى انعكاسك واهنًا في المرآة، روحك محاطة بغيمة شائكة ومتشكية.


أتذكر أول التفاتة نحو شكلي الآخر، أول ما تفوهت به: "ليبارك الرب في سطوة المعتوهين طالما ساد عرف أن المعرفة خطيئة إن ألهمتك لعدم الانصياع!" هنا يظهر التمييز ليس كحدث منفصل، بل كنسق ممتد، يُمارس في كل فرصة سانحة، لتأكيد الحماقة المتوارثة. اقتناء القبعة كان مقدمًا على الاحتكام للرأس، والخطر الأكبر يكمن في ارتداء تلك القبعة دون وعي.


في تصنيف الكائنات بحسب ما يمتلكونه من عقل، يطل الإنسان من قمة الهرم كأغبى المخلوقات، مستدعيًا الاحتفاء بذاته الناقصة، معلنًا نفسه نصف إله، ويمرر العصبيات ويشرع الإقصاء. وما يدهش حقًا هو ذلك الأحمق في الميدان الفسيح الذي استدان التقويم ليعلن رحلة الرعاع نحو الأكثرية، حيث أصبحت الأرقام والخوارزميات أدوات لشرعنة الهلاك.


حاولتُ تحويل المآسي إلى مساخِر خصبة الذهن، حتى بدأت بالحرية، واجتمعت آلاف روايات معجزات العبيد الأولى، وأُقر أول قانون يحظر الاستعباد. ولكن السعي نحو التسلّق، حتى لو أثبتت امتلاكك لرأس، لم يضمن لك السلامة؛ فالخطر الأكبر يكمن في القبعة التي تعلنها للعالم دون استعداد.

في عصر يمارس فيه الاستبداد والاضطهاد على الهواء مباشرة، تنجر العيون نحو تغيير زاوية الرؤية، بينما الخونة يسيطرون على جميع الزوايا. إذا كنت في وسط الزاوية، كيف تصل إلى أي مكان؟ الزاوية ابتلاعك في اللحظة التي تحاول فيها العبور، ومحاولات النجاة من الموت قد توصلك إلى المنفى، لذلك يجب ألا تتوقف عن المحاولة.

بعد عدة محاولات، وجدت نافذة تطل على الوعي، لكنها كانت مغلقة. كل الخلايا التي كافحت من أجل اقتسام الحريات كانت شاهدة على رؤية الفراشات تحترق، لكن الحب لا يحترق؛ قادر على هزم المستعمرات والحدود والأرق التصاعدي للعقائد وكثافات الألف وجه. بعد نهاية كل تلك الصراعات، يبقى الحب حيًا، فلا تبحث مع المنتصرين عن التاج المقدس، فهو خرافة صنعت لتسكب كل رواقات الحب التي لن تحترق.


كان الطائر وحيدًا، يعرف أنه قادر على المواجهة لكنه غير قادر على الانتظار. ما يتسلل داخله يمكن رؤيته على أطراف شفتيه، ليس انعكاسًا حرفيًا بل انكسارًا متطابقًا. ربما أدى هذا لاحقًا إلى انشطار قلبه. منذ متى ونحن نسير نحو الكهوف المغلقة؟ ربما منذ أن أدركنا أن الهوة التي نخاف الوقوع فيها كانت مختبئة بداخلنا منذ البداية.


اختار الطائر الانتماء إلى فصيلة الصقور، وقرر الهجرة معها، لكن أخبرته الصقور أنه غير مرحب به عند العودة، لأن الخضوع الأعمى لا يُساوي بين أحد. وهكذا، امتلك القفص الخاص به، ظنًا أنه تحرر، لكن الواقع أن القفص، وإن لم يكن له سياج، يظل يفرض قيودًا على الحرية، فحتى الاختيار يصبح مقيدًا بالظروف المحيطة.

تواجهنا هنا معضلة السفن التي تغادر بالأجساد فقط؛ لا تحمل الذاكرة، ولا تسافر المشاعر إلا في أجزائها. الميناء يُعانقك، لكن الأجراس تُقرع بلا عودة. في هذا الاجتماع الذي ظننت أنك تراقبه، كنت مدعوًا وحدك، والفخ يكمن في الانخراط في اللعبة رغم شعورك بالعزلة.

الحياة تحرقك أحيانًا، سواء بالاقتراب من القارورات أو بالابتعاد عنها، لأن كلاهما يحمل خطرًا على روحك. حين تكتشف أنك لا تملك أجنحة، تصنع حنجرة طائرة، تحلق بالكلمات، متشبثة بالحرية كما لو كانت مسيرة في السن. حتى الذئاب حين تختفي عوائها، تبدأ رحلة جديدة، تتخطى الجدران، وتخلق مسارها الخاص.


باب الحجرة الباردة يغلق العيون، يحرق القلوب، ويصبح وصيًا على الطائفية والاعتقاد الخاطئ. الاعتقاد وحده لا يفتح العيون، ولا يغلق الحُجرات حتى تنبثق الحكمة. في نهاية الصفعات، كان هناك طائر يبحث عن الحرية، رافضًا الخروج من القفص، مؤمنًا بأن الحب والحرية لا يحترقان، وأن الحقيقة لا تزال تستحق السعي مهما كانت القيود والمخاطر.


في النهاية، تظل صفعات التمييز والجدران المغلقة والقبعات الرمزية جزءًا من تاريخ الأقليات ومعاناتهم المستمرة. لكنها أيضًا دعوة للوعي، للحرية، وللحب الذي لا يُحتَرق، ليكون صرخة في وجه كل القيود والاضطهادات، ورسالة بأن الحرية اختيار، وأن الحق في الحياة الكريمة لكل إنسان لا يمكن أن يُسلب.


محمد خالد – كاتب و روائي مصري.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page