عادات وتقاليد أم قيود؟
- رغدة محمد
- Nov 16, 2025
- 2 min read
بقلم رغدة محمد

في بلد تصنع ملامحه ذاكرة التاريخ وقوة العرف، تقف المرأة اليمنية على مفترق واضح بين الحقوق التي تقرّها القوانين الحديثة وبين القيود التي تفرضها التقاليد. فبينما تؤكد التشريعات حقها في التعليم والعمل والمشاركة العامة، كثيرًا ما تبقى هذه الحقوق معلّقة أمام سلطة اجتماعية راسخة تتعامل مع المرأة بوصفها كائنا يخضع لمسار محدد مسبقًا منذ لحظة ولادتها.
التقاليد، التي تُقدّم غالبًا بوصفها حصنًا للقيم والأصالة، تتحول في حالات كثيرة إلى قيد غير مرئي. هذا القيد لا يُفرض بالقوة بل بالتوقع الاجتماعي، بالصمت الجمعي، وبالخوف من الخروج عن المألوف.
في اليمن، يتجلى ذلك في مجالات أساسية مثل التعليم والزواج والعمل، حيث تُتخذ قرارات مصيرية باسم القبيلة والعرف لا باسم الفرد. هذا المقال يحاول تفكيك أثر هذه الأعراف على حرية اتخاذ القرار لدى المرأة، مع قراءة لنتائجها على حياة المجتمع بأكمله.
التعليم... مساحة مؤجلة
حق الفتاة في التعليم لا يحدده توفر المدارس وحده، بل يحدده موقف المجتمع منها. في مناطق ريفية وأخرى حضرية، يُنظر إلى التعليم الجامعي للفتاة باعتباره رفاهية أو بابًا لمخاطر محتملة إذا تطلب السفر خارج محيط الأسرة. يتكرس الاعتقاد بأن الزواج هو المصير الأول والأخير، وترتفع عبارة "ما للمرأة إلا زوجها" من مستوى الرأي الشعبي إلى مستوى القرار الملزم. هذه الجملة لم تبقِ أثرها على جيل واحد، بل امتدت إلى فتيات فقدن فرصًا أكاديمية ومهنية كان من الممكن أن تغير مسارات حياتهن.
الزواج... قرار عائلي لا فردي
الزواج المبكر أحد أبرز تجليات هيمنة العرف. في بعض المجتمعات اليمنية ما تزال الفتاة تُزوّج قبل اكتمال نضجها الجسدي والنفسي، وغالبًا دون رأيها. يضاف إلى ذلك أن الزواج يُدار بمنطق قبلي، فيُفرض الارتباط بابن العم أو من داخل القبيلة، على حساب التوافق والرغبة والاختيار الحر. النتيجة حياة زوجية تبدأ بكلفة نفسية لا تُناقش علنًا.
العمل والمشاركة العامة... إمكانات مغلقة
رغم حضور نساء يمنيات لامعات في مجالات عديدة، ما يزال الطريق أمام المرأة نحو سوق العمل مليئًا بالعوائق الاجتماعية. بعض الأسر ترفض خروج الفتاة للعمل حتى وإن تفوقت أكاديميًا.
السرد الشخصي هنا يلقي ضوءًا دقيقًا: بعد التخرج بتفوق من كلية الحقوق، طمح كاتبة المقال إلى ممارسة مهنة المحاماة دفاعًا عن النساء، لكنها اصطدمت بحاجز العرف قبل حاجز الفرص.
حتى من يُسمح لهن بالعمل يواجهن تحديات أخرى مثل التمييز، والتنميط المهني، والمضايقات اللفظية أو الجسدية، بالإضافة إلى حصرهن في وظائف محددة ترتبط بالرعاية والخدمات.
أي يمن نريد؟ وأين ذهبت بلقيس؟
تمكين المرأة في اليمن لا يتحقق بإصدار القوانين فقط، بل يحتاج مراجعة ثقافية شجاعة تعيد تعريف العلاقة بين الأصالة وحرية الفرد. ليس من الدقة القول إن اليمن بلد بلا نماذج نسائية قيادية، فالتاريخ ذاته يقدم بلقيس ملكة قوية حكيمة حكمت اليمن باقتدار. وجودها التاريخي شاهد على أن القيادة النسائية ليست طارئة على المجتمع اليمني.
السؤال الملح: كيف انتقلنا من بلد احتفى بقيادة امرأة إلى مجتمع يخشى طموحها؟ كيف تحولت العادات من مصدر قوة اجتماعية إلى حائط يعزل نصف المجتمع؟
تحرير المرأة من القيود الاجتماعية لا يعني القطيعة مع الهوية، بل يعني تطويرها لتصبح أكثر عدلًا وانسجامًا مع حاجات الإنسان المعاصر. عندما تتمكن المرأة من اتخاذ قراراتها التعليمية والمهنية والشخصية، يتحقق الربح للمجتمع كله، لا لها وحدها. يمن المستقبل هو يمن يستعيد توازنه عبر تمكين كل أفراده، لا نصفهم فقط.
رغدة محمد - كاتبة وباحثة مستقلة متخصصة في قضايا حقوق المرأة والتحولات الاجتماعية
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments