top of page
  • Instagram

تاء التأنيث وعقدة الهوية في المجتمع العربي

  • Writer:  آمنة رباح
    آمنة رباح
  • Nov 5, 2025
  • 3 min read

بقلم آمنة رباح


ree

چنه مرة"، "المرأة شمسها بالبيت"، "أخت رجال"...عبارات تتردد يومياً في مجتمعاتنا العربية، وتكشف عن جذور التمييز اللغوي المتغلغل في الوعي الجمعي. فهذه الأمثال، رغم طابعها الشعبي، تعيد إنتاج صورة نمطية تختزل المرأة في خانة الضعف والعجز، وتمنح التفوق الرمزي للرجل باعتباره معيار الكمال والعقل.

 

اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي خزان للثقافة ومرايا للسلطة. إنها تحمل في طياتها ما ورثته من منظومات دينية واجتماعية وأخلاقية، وتعيد إنتاجها كل يوم في خطاب الناس وممارساتهم. حين نقول "المرة نص عقل" أو "الرجل كامل العقل"، فإننا لا نكرر تعبيراً عابراً، بل نرسّخ مفهوماً ينزع عن المرأة إنسانيتها الكاملة، ويجعل وجودها تابعاً للرجل.

 

هذا النمط من التمييز اللغوي، المعروف في الدراسات الحديثة بـ"الميزوجينية اللغوية" (Linguistic Misogyny)، يُعبّر عن استخدام اللغة كأداة تهميش وتقليل من شأن النساء عبر المفردات، النكات، والتعابير اليومية. وغالباً ما يندرج تحت ما يُعرف بـ"الخطاب الذكوري السام"، الذي يصور القوة والشجاعة كصفات ذكورية حصرية. ففي العراق مثلاً، توصف المرأة القوية بأنها "أخت رجال" أو "مرة بقلب رجال"، وكأن قوتها لا تُكتسب إلا عبر التشبيه بالرجل، لا من ذاتها.

هذا التحيّز ليس عربياً فقط، بل هو ظاهرة عالمية.

في اللغة الإنجليزية مثلاً، تُستخدم كلمة hysterical لوصف النساء بطريقة تنتقص من مشاعرهن، بينما في اللغات الأوروبية القديمة كانت الصفات الأنثوية تُحمل إيحاءات أقل قوة أو جدية. تكرار هذه التعبيرات في الإعلام والدراما والمحادثات اليومية يخلق في اللاوعي الجمعي قبولاً لفكرة أن المرأة كائن ناقص أو تابع، وهو ما يرسخ النظام الأبوي (Patriarchy) ويقيد حضور النساء في المجال العام.

 

في السياق العربي، يرتبط التحيز اللغوي بالنظام الاجتماعي والديني الأبوي الذي ينظم العلاقات بين الجنسين. اللغة هنا ليست بريئة، فهي تشرعن هذا التفاوت وتعيد إنتاجه. وقد رأى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو-بونتي أن الإنسان "فكرة تاريخية"، تُشكَّل عبر الممارسة والثقافة لا عبر البيولوجيا فقط. هذا ينسحب على المرأة في مجتمعاتنا، إذ تشكل اللغة جزءاً من التاريخ الذي قيّدها قبل أن يُعرّفها.

 

التمييز في اللغة العربية يتجلى حتى في بنيتها النحوية. يقول ابن جني إن "التذكير هو الأصل"، ما يجعل من المذكر القاعدة والمؤنث فرعاً تابعاً. وقد لاحظ المفكر نصر حامد أبو زيد في كتابه دوائر الخوف أن اللغة العربية تعامل الاسم العلم المؤنث معاملة الاسم الأعجمي، فتحرمه من التنوين كما تُعامل "الأعاجم" الذين اشتُق اسمهم من "العجم" أي العجز عن النطق. بهذا، تسوّي اللغة بين "المرأة العربية" و"الأجنبي الأعجمي" في مرتبة لغوية أدنى، كأنها تمارس عنصرية مزدوجة ضد الأنثى والآخر معاً.


هذه البنية اللغوية ليست قدراً محتوماً، بل نظاماً قابلاً للمراجعة. في اللغات الغربية، مثلاً، جرت محاولات لتحييد اللغة من جنس المتكلم، فاستُبدلت كلمات مثل chairman بـchairperson، وأُزيلت الإشارات الذكورية من الألقاب والمناصب. بينما ما زالت اللغة العربية، رغم مرونتها التاريخية، مترددة في تقبّل الصيغ الأنثوية. ومع ذلك، بدأت بعض وسائل الإعلام والمؤسسات تستخدم لغة أكثر شمولاً، فنسمع اليوم في الأخبار "الطالبة" و"الناخبة" و"الكاتبة" بصيغ واضحة لا حياء فيها.

التحليل اللغوي ليس تمريناً أكاديمياً فحسب، بل خطوة في تفكيك بنية التمييز الاجتماعي. حين نعيد النظر في كلماتنا اليومية ونختار ما يكرّس المساواة بدلاً من الإقصاء، نشارك في عملية تحرير رمزية للمرأة من أسر اللغة، ومن ثم من أسر النظام الثقافي الذي صاغها. فاللغة التي نستخدمها لتسمية الأشياء والأشخاص هي التي تحدد كيف نراهم وكيف نعاملهم.

في المقابل، ما زالت العبارات التي تمجد الرجولة وتنتقص من الأنوثة متجذرة في الثقافة اليومية. فحين يُقال لصبي يبكي: "استرجل، لا تبكِ مثل البنات"، فإننا نزرع منذ الطفولة فكرة أن العاطفة ضعف وأن الرجولة تقتضي التصلب. بينما إذا خوطبت امرأة بصيغة المذكر عُدّ ذلك احتراماً ورفعة، والعكس إهانة بالغة. هذه المفارقة اللغوية ليست مجرد عادة اجتماعية، بل انعكاس لتاريخ طويل من النظر إلى المرأة ككائن أدنى يحتاج حماية الرجل وموافقته.

التمييز اللغوي ضد النساء لا يعكس الواقع فقط، بل يصنعه. إنه يخلق وعياً زائفاً بدونية المرأة ويعيد إنتاج قصص تهميشها، من أسطورة خلقها من ضلع الرجل إلى تحريم قيادتها للسيارة بحجة "العطب الجسدي". نحن نعيد كتابة هذه القصص كل يوم عبر كلماتنا وأمثالنا ومفاهيمنا، دون أن ننتبه أننا بذلك نعيد إنتاج القهر ذاته.


لكي يتغير وضع المرأة في المجتمع العربي، لا بد أن تتغير اللغة التي تعبّر عنها. فكما تقول سيمون دي بوفوار في الجنس الثاني: "لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك." واللغة هي الساحة الأولى لهذا التحول. علينا أن نؤسس لخطاب لغوي أكثر إنسانية وشمولاً، يحرر المرأة من موقع التبعية ويمنحها صوتها الخاص، لأن التغيير اللغوي هو المدخل الحقيقي لتغيير الفكر والهوية.


فاللغة ليست فقط وسيلة نعبّر بها عن واقعنا، بل هي الأداة التي نصنع بها هذا الواقع. وإن أردنا مجتمعاً أكثر عدلاً ومساواة، علينا أن نبدأ من الكلمة.


آمنة رباح – من العراق، خريجة كلية طب الأسنان، مهتمة بتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والثقافية وتأثيرها على المرأة في المجتمع.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


1 Comment


sher
sher
Nov 16, 2025

مقال جميل جداً، كل كلمة تشدّ القارئ يكمل للنهاية ويستوعب الفكرة المطروحة. تستاهلين كل الدعم، أسلوبچ مبدع وجذّاب ويخلي المُتلقي يتعلق بكل سطر.

Like
bottom of page