top of page
  • Instagram

العدالة الصورية في زمن الشعارات الفارغة وانهيار القيم

  • بتول زاهي يزبك
  • Nov 24, 2025
  • 2 min read

بقلم بتول زاهي يزبك



لم يعد يخفى على أحد أن شعارات العدالة والإنسانية تحولت إلى نبرة ساخرة تبعث على الأسى. ما كان يومًا حقًا يرفع الناس أصواتهم للمطالبة به، صار اليوم أشبه بنكتة ثقيلة لا يطيق الناس سماعها، لا لعيب في المعنى بل في أولئك الذين يرفعون الشعار ويدّعون الدفاع عنه.


يتغنون بالإنسانية كما لو كانت قصيدة، يعزفونها على آلام البشر، ويهتفون بالمساواة على مبدأ يتيح لهم ما لا يتيحه لغيرهم. الغريب أن هذا العصر تفنن في الإصغاء لأنين الضعفاء، يسمعون ما يتوافق مع مصالحهم فقط، أما إذا غابت المصلحة، صاروا صمًا بكمًا عميانًا، وكأنهم في دين الأخلاق لا يؤمنون.


جهلوا الإنسان ذاته، فاستهانوا بقيمته، وكأن عدد البشر الملياري هو ما يحدد قيمة الفرد. طالما تجاوز العالم سبعة مليارات، فلا ضرر عندهم في سحق مئات الملايين. فكيف يحكم الأسد إن لم تكن الغابة قانونًا، والإنسان فرائس؟


كتبوا قوانين العدالة والإنسانية على لوحة باهتة من اللامبالاة، يستخدمونها حجة لادعاء حسن النية، بالكلام لا بالأفعال.


يقولون: "نحن نسعى لعالم حر، متساوٍ في الحقوق والواجبات. نعم لحرية الرأي والدين. نعم أن تختار هويتك، جنسك، حتى إن أردت أن تكون عبدًا أو حيوانًا. أرأيت كم نحن طيبون؟ نمنحك حرية اختيار الموت أو الاستسلام… نحن دعاة سلام ببندقية من إجرام."


أغرقوا العالم بشعارات من عسل: "الإنسان أولًا… ثم الإنسان…"

لكن حين تشير لهم إلى إنسان جائع، خائف، مريض، مظلوم، مكسور، مأسور، أو مقتول، يكون جوابهم: "لا يهم." أما كانوا هم أنفسهم منادين بنصرة المظلوم؟ المدافعين عن الجائع؟ المطالبين بحق الحيوان قبل الإنسان؟

لقد نجحوا في إبهار العيون، لكنهم أعمَوا القلوب. صار العالم أداة تُقاد بلا إرادة، يصفق للباطل ويخجل من الحق وكأنه جريمة يحاسب عليها.


أغرقوا الأرض بالجهل والتفاهة كي يُنسى جوهر العلم والمعرفة، كي يتنازل الناس عن حقوقهم، وآرائهم، وهويتهم، تحت مسمى الانفتاح العالمي. يوميًا يُستباح فكرنا، معتقداتنا، هويتنا، أرضنا، كل ذلك باسم العدالة والإنسانية، على يد منظومات تحكمها شرور مصلحية لا يهمها كيف نعيش، بل لماذا نعيش.


يريدوننا أن نحيا لخدمتهم، فإذا ثرنا يومًا، أعلنت علينا الحرب: حرب جوع، خوف، فقر، أو حتى حرب باسم الدين، تُطلق فيها شياطينهم من الظل، بينما يبقون هم في الضوء بملابس "ملائكة" تدعو للخير وتحارب الشر، مع أن شرهم خيرهم، وخيرهم شر مطلق.


سيطروا على الإعلام فجعلوه مصنعًا لتزييف الحقائق. يبثون عبره صورًا مصقولة عن الحرية، وأوهامًا عن الديمقراطية، ويجمّلون وجوه الطغاة بكلمات منمقة. وفي التعليم زرعوا بذور الطاعة العمياء، فخرجت أجيال لا تعرف إلا استهلاك ما يُقدّم لها، ولا تفكر إلا بقدر ما يُسمح لها. وفي الاقتصاد أغرقوا العامة في الديون، ربطوا أرزاقهم وأحلامهم بمؤسساتهم، وأصبح الإنسان رقمًا في حساب لا يملك حتى مفاتيحه. حتى الدين لم يسلم من سطوتهم، يريدون التحكم بالطريقة التي يعبد بها الفرد ربه.


لذا، إن أردت معرفة الحقيقة، فلا تنظر إلى ما يقولون، بل إلى ما يفعلون. الكلمات المنمقة سلاسل حريرية تخفي قيودًا من حديد. كلامهم عسَل، لكن أفعالهم زقوم.


وأدرك أن العدالة اليوم صورية، ترتدي قناعًا من زجاج يلمع تحت الضوء، لكنه يتهشم عند أول لمسة.


بتول زاهي يزبك كاتبة وباحثة لبنانية، تحمل ماجستير في الحقوق، إضافة إلى إجازة فنية في الرقابة الصحية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page