top of page
  • Instagram

فنّ الدمار: من السردية الراهنة إلى السردية المقاومة

  • Writer: فاطمة بلايطي
    فاطمة بلايطي
  • Nov 18, 2025
  • 3 min read

بقلم فاطمة بلايطي


ree

منذ أن أدرك الإنسان أن الإبداع قادر على كسر الجدران وتجاوز الأسوار، صار الفن سلاحًا لا يقل حدّة عن السيف أو القلم، يحفظ الذاكرة، ويكشف الحقائق، ويحرك الوجدان. عبر التاريخ، شكّل الفن ملاذ الشعوب المقهورة، يواجه عنها القمع، ويحرس هويتها الثقافية. من نقوش المعابد الفرعونية التي خلدت الانتصارات، إلى أغاني المقاومة في جبال الأنديز، وصولًا إلى جرافيتي الثورة في أحياء أمريكا اللاتينية الفقيرة، ظل الفن صوت من لا صوت لهم.


في العالم العربي برز هذا الدور خلال حقبة الاستعمار وحركات التحرر. أغاني الشيخ إمام أشعلت الوعي، ومسرحيات سعد الله ونوس فضحت الاستبداد، بينما حوّلت جداريات بيروت والجزائر الشوارع إلى صحف مفتوحة. لم تكن أعمالًا جمالية فقط، بل ذخيرة رمزية أسقطت جدار الصمت.


أما في فلسطين، فقد تحوّل الفن بعد النكبة إلى سلاح وجودي ضد المحو والنسيان. رسومات ناجي العلي، ملصقات منظمة التحرير، جداريات المخيمات، وأغاني الشتات جميعها أسست خطابًا بصريًا وسمعيًا لم تتوقف نبضته رغم القمع والتهجير.

ومع حرب غزة المستمرة منذ 2023، أصبح الفن فعلًا إنقاذيًا لا توثيقيًا فقط، يعيد كتابة الرواية، ويكسر احتكار الإعلام المهيمن. كل صورة، كل لون، كل نغمة، تقول إن الفن قد يُقصف صاحبه لكنه لا يُقصف هو.

من قلب هذه التجربة تنبثق شواهد حيّة. في فيلم "المهمة" تتداخل صور الدماء مع أصوات الأجهزة الطبية في رحلة الجراح محمد طاهر بين مستشفيات غزة، فلا يكتفي العمل بتوثيق المشاهد الطارئة بل يحوّل الطبيب إلى أيقونة توثق الحرب بجسده وصموده.


عُرض الفيلم أولًا في مهرجان عمّان السينمائي، ثم جاب أوروبا، ليحوّل الألم إلى شهادة بصرية تطارد الضمير العالمي.


بعيدًا عن المهرجانات، تتشكل مبادرات محلية تعد جزءًا من المقاومة الثقافية. يشير تقرير موقع عرب 48 (5 أغسطس 2025) إلى معرض صغير ضم أعمالًا أُنجزت بخامات محلية، سيطر عليها الأحمر والأسود كرمزي الدم والليل، غير أن الأمل تسلل عبر تفاصيلها. من بين الأنقاض وداخل مركز ثقافي تحوّل إلى مأوى للنازحين، وُلدت مبادرة “إسعاد الطفولة” التي نظمت ورش رسم لأطفال المخيم ونتج عنها أكثر من ثلاثين لوحة خلال عشرة أيام. هكذا تحولت الريشة إلى مساحة تنفّس ومقاومة ناعمة في وجه القصف والحصار.


وفي السينما، يبرز فيلم "ضع روحك على يدك وامشِ" (فلسطيني – إيراني – فرنسي) للمخرجة سبيده فارسي، الذي شارك في مهرجان كان (2025) ضمن مسابقة "آسيد". يوثق العمل سيرة المصوّرة الفلسطينية فاطمة حسونة التي استشهدت مع عشرة من أفراد عائلتها بينما نجت والدتها وحدها.


تأسس الفيلم على مكالمات مسجلة عبر واتساب بسبب منع اللقاء نتيجة الحرب، فكانت صور حسونة وأصوات الانفجارات تتجاور فوق خط واحد بين الحياة والغياب. ظلت البطلة حاضرة رغم رحيلها، لتشهد على الإبادة المستمرة، وتترك للعالم وصيتها الأعمق: لا صمت بعد الآن.


ولم تبق غزة محصورة داخل حدودها، إذ نرى في نابولي عمل الفنان الإيطالي إدواردو كاستالدو "توقف الزمن في غزة" حيث عُلقت ساعات تمثل مدن العالم، غير أن ساعة غزة وحدها متوقفة وزجاجها محطم، كأن الزمن تجمّد عند لحظة قصف لا تنتهي.


ثمّة ضرورة لقراءة هذه الأعمال من خلال نظريات الوعي الفني. تمنحنا النظرية السردية فهمًا للفن باعتباره نصًا متعدد الطبقات، يعيد ترتيب الحكاية لا تسجيلها. كل صورة وُثقت تحت القصف سردية مقاومة تعيد تعريف الحياة والموت، وتكسر محاولات الطمس. كما تساعدنا نظرية التأطير على فهم كيفية عرض هذه الأعمال وتلقيها، إذ تتحول صور غزة في صالات لندن وباريس إلى شهادات حقوقية، بينما تخرج داخل غزة من إطار وجداني يعزز الصمود ويستعيد الأمل. هكذا يولد الفن الفلسطيني داخل شبكة رمزية متحركة تقاوم الرواية الاستعمارية عبر بناء خطاب بديل يمتلك شرعية التجربة.


إن ما تكشفه هذه النماذج ليس حضورًا جماليًا فقط، بل حضورًا معرفيًا وسياسيًا يرسخ معركة الوعي. فبينما ينتج الفن الفلسطيني في الداخل والشتات سردية rooted في التجربة الحية، تعمل السردية الصهيونية على إعادة تشكيل خطابها بطرق أكثر نفاذًا قد تصل حتى إلى بعض الجمهور العربي. لذلك يصبح الرهان على الفن ضرورة سياسية وأخلاقية، لأنه القادر على تثبيت الحكاية في الوجدان، وصون الهوية من التشويه، وإعادة مركزية الإنسان الفلسطيني في الحكاية.

ختامًا، تولد هذه الأعمال من قلب النار أو من فضاءات المنفى، لكنها لن تحقق أثرها الكامل دون حماية واستمرار وانتشار واعٍ عبر الأجيال. قد لا يقلب الفن موازين القوة العسكرية، لكنه يظل أحد أهم أسلحة الذاكرة المقاومة، وحارس الحكاية الأخير.


فاطمة بلايطي - أستاذة وباحثة مهتمة بالفنون والسرديات الإنسانية والقضايا المعاصرة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page