top of page
  • Instagram

آلية التحرر الشبابي وأسباب خوف العالم والعرب منه

  • ورقاء نزار سعدي
  • Nov 4, 2025
  • 7 min read

بقلم ورقاء نزار سعدي


ree

ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات على الأرض هو كونه مخلوقًا يبحث عن المعنى، غير مكتفٍ بأنماط وأساليب البقاء على قيد الحياة فحسب. الإنسان هو الكائن الذي يصنع هدفه بيده ويسعى نحوه، مضحيًا في سبيله، حتى وإن لم يكن مضطرًا لذلك عمليًا.


هذا السعي نحو المعنى هو ما صنع التميز الإنساني في الفن والفكر والتطور العلمي، وفي القصص والروايات. يسرد لنا التاريخ دائمًا حكايات أولئك الذين سعوا إلى إبطاء عجلة التقدم الإنساني طمعًا في المجد الشخصي، فحرقوا المكتبات، وأسكتوا أصوات المفكرين، وسجنوا العلماء، وخلقوا بيئات مشبعة بالكراهية تجاه الآخر ليستعبدوه أو ليشنّوا الحروب عليه بدوافع أنانية. هؤلاء مستعدون لأن يسفكوا أنهارًا من الدماء من أجل السيطرة على الموارد المادية.


ويروي لنا التاريخ أيضًا عن الثورات المتكررة التي اندلعت لمواجهة هؤلاء الطغاة المتجددين في كل عصر. فكلما اشتدّ الطغيان، وُلد نقيضه. يعلمنا التاريخ أن ظلم القدماء لم يولّد يومًا سوى عصيان المعاصرين. ودائمًا ما تقع مسؤولية التغيير على عاتق كل جيل جديد؛ فالإنسان في شبابه هو الأكثر التصاقًا بالحاضر، وبالتالي الأقدر على تغيير الواقع لصالح أطفال المستقبل.


لكن تعطيل هذه العملية ـ عملية التغيير ـ يجعل عقولنا بطيئة وعاجزة عن “أنسنة” من حولنا، عندما نتجاهل ما يكمن داخل الإنسان من اكتشافات واختراعات فكرية أو علمية. فالتحرر الشبابي الواعي، المتحد، والمبني على معرفة، هو الذي يخلق أممًا جديدة قادرة على تجديد معنى الحياة البشرية، وإضفاء روح الإبداع والتفاؤل على الوجود الإنساني. ومن دونه تظل المجتمعات على قيد الحياة جسديًا، لكنها بلا معنى حقيقي يجعلها  تعيش.

 

يبقى السؤال: لماذا أصبحت الثورات الناجحة، القادرة على التغيير الحقيقي، نادرة وصعبة المنال في عصرنا هذا؟

 

في عام 2015، أكدت الإحصاءات أن عشرة من أقوى رؤساء العالم كانت أعمارهم دون السبعين عامًا، أما اليوم فالتسعة الأوائل منهم تجاوزوا السبعين. وعلى الصعيد العربي، نلاحظ بوضوح ابتعاد الشباب عن السياسة والحركات التغييرية رغم كونهم الأغلبية السكانية.

 

أسباب هذا الغياب متعددة ومحيرة. ومع صعوبة الإحاطة بكل أبعادها، إلا أن محاولة فهمها أولوية أخلاقية وإنسانية لا يمكن تجاهلها.

 

الإنسان يُربّى داخل منظومات ثلاث تشكّل وعيه: الأسرة، المدرسة، والعالم الافتراضي. هذه المنظومات جميعًا خاضعة بدرجات متفاوتة لسلطات أوسع، ثقافية أو سياسية، تؤثر في طريقة تفكير الطفل منذ نشأته حتى شبابه. وسنركّز هنا على هذه العوامل الثلاثة، بدءًا من الأهل.

 

أولاً: الأهل 

الأسرة هي التجربة الأولى التي يتعرف فيها الطفل إلى قوانين العالم، ويتعلم من خلالها كيف يتعامل مع السلطة والحرية. فالبيت في جوهره نظام سياسي مصغر، فيه “رؤساء” و”قوانين” و”عقوبات”. يطيع الطفل فينال الرضا والمكافأة، ويتمرّد فينال العقاب، الذي تختلف شدته باختلاف أساليب الأهل وتوجهاتهم.

 

غالبًا ما يعتمد الآباء في تربيتهم على ما تلقّوه هم أنفسهم في طفولتهم، فيعيدون إنتاج ما يرونه صالحًا ويهملون ما يرفضونه، دون أن يأخذوا في الاعتبار التغيرات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية من حولهم. وهكذا تستمر الأجيال بتكرار الأنماط القديمة في بيئات جديدة تمامًا.

 

وفي البلدان التي عانت من أزمات أمنية أو حروب أو فقر شديد، تظهر بوضوح الآثار السلبية لهذا النمط التربوي. فالحروب تعيد الإنسان إلى نقطة الصفر مهما بلغ من تطور، وتزرع في النفوس فكرة أن النجاة أهم من الإبداع. ومع الوقت، يفقد الناس ثقتهم بالأمل، ويؤمنون بأن السبيل الوحيد للنجاة هو الأخذ بالقوة لتعويض ما سُلب منهم. وحين تُهمل معالجة الصدمات النفسية المتراكمة، يتحول ذلك الإحباط إلى حقد دفين وسامّ تجاه العالم بأسره. فالشعوب، مثل الأفراد، يسهل إيذاؤها ويصعب علاجها.


فلا يماطل وليّ الأمر الذي عاش ماضيًا يشبه ما وصفناه، بل يورّث أبناءه خوفه من العالم، فيعلّمهم أن الناس خطر، وأن الضمير مستحيل في قلوب الغرباء. هكذا، وبحسن نية أحيانًا، يضمن أن يبقى صغيره حذرًا، خائفًا من كل ما هو خارج حدود “البيت الكريم”، ليظل ذلك الخوف راسخًا فيه حتى شبابه.

يُربّي الأب أو الأم أبناءهم على فكرة أنهم دائمًا الضحايا، وأن من يؤذيهم إنما يفعل ذلك بدافع الحقد أو الاستغلال، بينما هم “الأنقياء”. فلا حاجة لتكوين الذات أو تطويرها، فالحكمة عند الوالدين، والخبرة محفوظة في ذاكرتهم، وما على الابن إلا أن يطيع لينجو من “فوضى” العالم.

 

لكن وليّ الأمر، حين يرى ابنه وقد أصبح شابًا، نسخة قريبة منه شكلًا وسلوكًا، يصاب بالارتباك. فذلك الشاب يمتلك كل ما كان والداه يحلمان به من ملبس ومأكل ووسائل راحة وترفيه، ثم يجرؤ على طلب المزيد. الأسوأ من ذلك أنه يبدأ بمحاولة الاكتشاف - يريد أن يعرف، أن يجرب، أن ينفصل عن الخطط التي رسمها له والداه دون إذنه. حين يسعى لمعرفة هدفه الحقيقي في الحياة بعيدًا عن قيم الماضي العقيمة، يشعر الأهل بأن مشروعهم الأهم في الحياة، “الطفل”، بدأ يفلت من أيديهم كما فلتت أشياء كثيرة قبل ذلك.

 

يصبح فشل الابن في أن يكون نسخة مطابقة لما أراده والده، هو فشلًا رمزيًا في “مشروع الأبوة” نفسه. مشروعٌ أنهكهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وكان الشيء الوحيد الذي منحهم شعور السيطرة والتأثير.

إن إهمال المجتمعات لقضايا الشباب ليس مجرد خلل إداري أو سياسي، بل دليل على حالة نفسية جماعية من العدمية، وانقطاع الأمل تجاه المستقبل. فالشاب الخارج من هذه البيئة يخرج وحيدًا، يشعر بالاغتراب في وطنه، محبطًا لا لأنه فشل، بل لأنه لم يُمنح فرصة المحاولة أصلًا.

 

ذلك الشاب غالبًا ما يُخذل حتى من محاولاته البسيطة للثقة بالآخرين، إذ يكتشف أن من أحبهم لم يقدّروه، فيتراجع، فاقدًا الثقة بالناس وبذاته. لم يكتشف قدراته لأن أحدًا لم يلتفت إليها، ولم يعرف ما يريده من الحياة لأن الإنسان لا يكتشف ذاته إلا من خلال تفاعله مع العالم. وهكذا، وبسذاجة نابعة من الألم، يبحث عن “الأمن والاستقرار” كغاية في حدّ ذاته.

 

لكن الأمن والاستقرار لأجل الأمن والاستقرار فقط، لا يدلان إلا على الاستسلام. فجيل تربّى على الخوف من المحاولة لا يمكنه أن يقود ثورات فكرية أو ثقافية حرة. لا يغيّر، لأنه لم يُسمح له أصلًا أن يحلم بالتغيير.

 

  ثانيًا: المدرسة والأنظمة التعليمية 

 

تقول الناشطة  سانجانا بودي ، البالغة من العمر 17 عامًا، وصاحبة مؤسسة خيرية كبرى، في إحدى محاضرات "تيد توكس"، إنها غاضبة بشدة من المؤسسات التعليمية التي فشلت في تزويدها بالخبرة أو الفرص أو المعرفة الكافية لمواجهة العالم وصنع ما تتخيله فيه. على الرغم من رغبتها في التغيير، شعرت بالعجز لأن المدرسة لم تهيئها للحياة الواقعية.

 

عالميًا، يُتوقع من الطالب المتخرج حديثًا من الثانوية أن يحدد ما يريد أن يتخصص به لبقية عمره، رغم أنه لا يمتلك أي خبرة مهنية حقيقية تؤهله لاتخاذ قرار مصيري كهذا. والأسوأ أن آخر ما يتعلمه الطالب  ,  خصوصًا في عالمنا العربي  ,  هو المهارات القيادية والحس الإبداعي. الأنظمة التعليمية مصممة في كثير من الأحيان لقتل الفضول الاستكشافي، وهي سياسة محلية متعمدة. لا اعتبار فيها لإنسانية الطالب الفردية، إذ يتعلم كيف يكبت أفكاره ويطيع المعلم مهما كانت كفاءته أو أخلاقه.

 

وتصف الكاتبة والناشطة المصرية الراحلة نوال السعداوي هذا الواقع بـ “التعليم المتجزئ غير المكتمل”، الذي يجبر الطالب على التخصص في مجال واحد دون أن يتعلم كيفية الربط بين المعارف المختلفة للوصول إلى فهم شامل للعالم. عندما لا تكتمل الصورة الذهنية لدى الشاب عن الحياة، يصبح من المستحيل أن يبدع أو يبتكر ما يفيد الإنسانية جمعاء. فالسّياسي يحتاج إلى فهم الطبيب لبنية من يحكم، والمهندس يحتاج إلى العلوم الإنسانية ليدرك كيف ينتفع الناس مما يصنع، والفيلسوف لا بد أن يعرف البعد المادي للعالم كي يبلغ جوهر فلسفته.

إن هذا الانفصال بين التخصصات ليس صدفة، بل تجهيل متعمّد من قبل قوى السلطة العالمية، التي تمنحنا أجزاءً من المعرفة لنصل إلى أجزاءٍ من قدراتنا فقط، فنخرج بخلفية علمية منقوصة، ونظنها مكتملة.

 

  ثالثًا: مواقع التواصل الاجتماعي 

 

للإنترنت إيجابيات كثيرة، فهو مساحة يجد فيها كثير من الشباب مجتمعات تشبههم، تمنحهم شعورًا بالانتماء. عبر “يوتيوب”، مثلًا، يمكن لأي شاب أن يتعلم مهارات متعددة مجانًا. وقد لعبت هذه الوسائط دورًا محوريًا في إشعال الانتفاضات العربية خلال “الربيع العربي”، إذ مكّنت الأفراد من إيصال أصواتهم للعالم. لكن بعد انطفاء الحماس، لم تُترجم تلك الطاقة إلى تغييرات حقيقية على الأرض. فمواقع التواصل ساعدت الحركات الثورية على الانتشار، لكنها جعلت السيطرة عليها شبه مستحيلة بسبب العشوائية والاندفاع اللحظي. كما أن سهولة المشاركة في الاحتجاجات الرقمية جعلت الانسحاب منها أسهل.

 

التحولات التكنولوجية غير المسبوقة التي نشهدها اليوم تُصنع خارج إرادة الغالبية البشرية، وتُدار بأهداف رأسمالية ربحية تخفي نفسها خلف شعارات “التطور البشري”. لكنها في جوهرها تُبطئ من نضج الإنسان ونموه، وتفكك المجتمع أكثر من أي وقت مضى. يمكن ملاحظة ذلك من خلال ثلاث ظواهر رئيسية:

 

1.      العجز المتعلَّم 


الخوارزميات التي تختار لنا ما نراه من محتوى وأخبار صُممت لتُبقينا أسرى للشاشات. نحن نغرق في تدفق لا ينتهي من المعلومات والترفيه، كما وصف الباحث العلمي “هانك كرين” هذه الحالة بـ “ظاهرة التشبّع بالمعلومات”. تتجدد البيانات بسرعة مذهلة، فلا مجال للشعور بالملل، رغم أن الملل ضروري للحوار الداخلي بين الوعي واللاوعي، وهو ما يولد الإبداع. ومع زوال الملل، يفقد الإنسان مساحة التأمل، فيتحول إلى كائن مستهلك بلا معنى.

2.      التعرّض الانتقائي 


الفيض المتواصل من الأخبار والمحتوى يرهق النفس ويفرغ الإنسان من طاقته دون إنجاز يقابل هذا الاستنزاف. على تطبيق كـ “إنستغرام” مثلًا، يظهر أمامنا في اللحظة نفسها طفل جائع في غزة وفتاة تجرّب أحمر شفاه جديد. هذه الموازاة المروّعة بين المأساة واللهو تُنتج حالة من العجز النفسي، تجعلنا نهرب من الواقع بالكامل. ولأننا لا نحتمل حجم الأحداث، نبدأ بانتقاء ما نتابعه، فنستمع فقط لمن يشبهوننا، ونهمل الآراء المختلفة. بذلك تتشظّى الجماعات الفكرية داخل الجيل الواحد، وينهار الشعور بالوحدة الإنسانية.

 

3.      التعلق بالافتراضيات 

تسود حالة خمول بين كثير من الشباب اليوم، سكون مميت يظنه البعض راحة، وهو في الحقيقة جمود. تُغرقنا وسائل التواصل في بحر من الترفيه، تهبنا وهم السعادة، بينما واقعنا يزداد قسوة. نتعلق بأشخاص بعيدين لا يعرفون حقيقتنا، وننقطع عن محيطنا القريب. حتى تحت ظروف أمنية قاسية أو حروب تسلب حقوقنا، نظل مشغولين بشاشاتنا. تلك السعادة الافتراضية تنوّم وعينا، وتجعلنا ننسى ما ينبغي أن نقاومه في الواقع.

 

  ما الحل؟ 

 

إن كنت قد وصلت إلى نهاية هذا المقال البحثي الطويل، فاعلم أنك قد بدأت بالحل فعلاً. إن أكبر ما يسجن الإنسان داخل عالمه هو قلة وعيه. ففي عالم يُروّج للتسطيح ويُغذّي الجهل، يصبح  العِلم  بحد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة.

 

حين ندرك أضرار الهاتف الرقمي كما ندرك إيجابياته، نتحرر من الوهم، ونفهم أن الهاتف ملكٌ لنا، لا نحن مِلكٌ له. وعندما نقاوم التجهيل المحيط بنا، عبر تحديد هويتنا وجرأتنا على طرح الأسئلة الصعبة مهما كانت مؤلمة، نبدأ باكتشاف ذواتنا الحقيقية. عندها فقط نستطيع أن نعيد ترتيب أولوياتنا، ونتتبع منها ما يحمل لنا المعنى الأعمق، بكل إصرار وجهد.

 

وحين ندرك القيمة التي لا تُقدّر بثمن للأشخاص الذين يحبوننا على طبيعتنا، ويؤمنون بنا بصدق، يصبح من واجبنا ألا نتخلى عنهم، بل أن نسعى لتطوير أنفسنا ومحيطنا معهم.

طرق الحرية ومساراتها أمامنا، لكن يبقى السؤال: هل سيأتي اليوم الذي يكتمل فيه عدد الساعين إليها حقاً؟ 

 

ورقاء نزار سعدي – كاتبة عراقية شابة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page