top of page
  • Instagram

ملكية الذاكرة الجماعية: الصراع بين السلطة والشعب

  • أُسيمة السعداوي
  • Nov 20
  • 3 min read

بقلم أُسيمة السعداوي


ree


منذ ظهور الدولة الحديثة، كانت السيطرة على الذاكرة الجماعية أداة رئيسية للسلطة السياسية. فالذاكرة لا تُترك عفوية للشعوب، بل تُستولى عليها من خلال المؤسسات الرسمية: المناهج التعليمية، الإعلام، المتاحف، وحتى المباني والمعالم العمرانية. تعمل هذه الآليات كمرشحات لفرض سردية رسمية للتاريخ والأحداث، تبرر الحاضر وتمنح الشرعية للمستقبل السياسي. ومن يسيطر على الذاكرة الجماعية يمتلك القدرة على إعادة تشكيل الهوية الوطنية نفسها.


تُظهر الأنظمة الشمولية أقسى الأمثلة، حيث تُمحى أحداث معينة أو تُعاد كتابتها بما يتوافق مع مصالح النظام. الاتحاد السوفييتي، على سبيل المثال، أعاد كتابة تاريخ الثورة عدة مرات وفقًا لتغير موازين القوى داخل الحزب. في المقابل، يستخدم الشعب الذاكرة كأداة مقاومة، من خلال الأغاني الشعبية، الجداريات، أو التدوين الرقمي، لتخليد أحداث القمع والتضحيات. بهذا تتحول الذاكرة إلى ساحة صراع سياسي: السلطة تسعى لاحتكارها، بينما يصر الشعب على استعادتها كجزء من هويته وشرعيته التاريخية.


مفهوم الذاكرة الجماعية كما صاغه موريس هالفاكس يوضح أن الذاكرة ليست مجرد تذكر فردي للأحداث، بل هي ظاهرة اجتماعية تتشكل ضمن أطر جماعية. فالذكريات الفردية تتأثر وتُعاد صياغتها من خلال التفاعلات الاجتماعية والأطر المرجعية المشتركة، مثل الأسرة، الدين، المهنة أو الوطن، وهي التي تمنح الذكريات معناها واستمراريتها. بحسب هالفاكس، الذاكرة الجماعية انتقائية بطبيعتها، حيث يُركز على جوانب معينة من الماضي وتُهمش أخرى لتلبية احتياجات الحاضر وطموحات المستقبل.


تتجلى العلاقة بين الذاكرة والسلطة في قدرة الحاكم على توجيه السرديات التاريخية لخدمة مصالحه. فالسلطة تسعى لترسيخ شرعيتها والحفاظ على نفوذها عبر فرض ذاكرة جماعية معينة، وقمع أي سرديات بديلة قد تهدد استقرارها. في تركيا، مثلاً، حظر ذكر أحداث معينة تتعلق بالأقليات، خاصة الأكراد، جزء من سياسة الدولة للسيطرة على الذاكرة الجماعية وبناء هوية وطنية موحدة. يتحقق ذلك عبر الرقابة على المناهج الإعلامية والتعليمية والخطاب العام، لتصبح السردية الرسمية هي المهيمنة.


في منطقة الشرق الأوسط، يظهر الصراع على الذاكرة الجماعية بوضوح، حيث تُستغل السرديات التاريخية لتكريس السلطة، تبرير العنف، وتهميش الأقليات، كما في ليبيا وسوريا ولبنان.


ليبيا: صراع الميليشيات على سرديات الحرب

بعد الإطاحة بالقذافي عام 2011، انزلقت ليبيا في فوضى، حيث تنافست الميليشيات للسيطرة على الأراضي والموارد. لم يقتصر الصراع على الجبهات العسكرية، بل شمل السيطرة على الذاكرة الجماعية. كل ميليشيا قدمت سردية خاصة بها لتبرير وجودها وأفعالها. غرب ليبيا استخدم سردية "الدفاع عن الثورة"، بينما الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر استخدم سردية "محاربة الإرهاب". هذه السرديات لم تكن مجرد دعاية، بل عمّقت الانقسامات الإقليمية والقبلية، وعاقت بناء هوية وطنية موحدة.


سوريا: ذاكرة الحرب وحقوق الأقليات

في سوريا، تحولت الثورة السلمية 2011 إلى حرب أهلية مدمرة، خلفت مئات الآلاف من القتلى وملايين اللاجئين. أصبحت الذاكرة الجماعية ساحة صراع بين النظام والمعارضة. النظام يفرض سردية "الحرب على الإرهاب"، بينما تقدم المعارضة سردية "الثورة ضد الديكتاتورية". هذا الصراع أثر بشكل مباشر على حقوق الأقليات، حيث استخدم النظام خطاب حماية الأقليات لتبرير القمع، واستغلت بعض الفصائل المعارضة الطائفية ضد العلويين والمسيحيين. الأكراد، رغم محاولاتهم لتحقيق حكم ذاتي، واجهوا قمعًا من جميع الأطراف، وفق تقارير حقوقية توثق انتهاكات واسعة.


لبنان: الذاكرة الطائفية وحدود النفوذ


لبنان، الذي شهد حربًا أهلية طائفية بين 1975 و1990، لا يزال يعاني من آثارها. لم تتشكل سردية وطنية موحدة، بل احتفظت كل طائفة بذاكرتها الخاصة، ملقية باللوم على الآخرين. هذه "الذاكرة الطائفية" تدعم النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية، مما يمنع قيام دولة مدنية حقيقية. حقوق الأقليات مرتبطة بسرديات الحرب، حيث تحافظ كل طائفة على مكتسباتها السياسية والاقتصادية عبر التمسك بذاكرتها الخاصة.


البعد الدولي واستغلال الذاكرةالصراع على الذاكرة الجماعية يتعدى الحدود المحلية. القوى الدولية تستغل الذاكرة لتحقيق مصالحها الجيوسياسية. بعد 2011، اتسمت سياسة الغرب تجاه ليبيا بالتدخل المحدود والدعم الانتقائي، مما فاقم الانقسامات واستغلت الميليشيات الفراغ السياسي. في أوكرانيا، تُستخدم الذاكرة التاريخية لتبرير مقاومة التدخل الروسي، بينما تستغل روسيا ذاكرة الأقليات الروسية لتبرير تحركاتها. في العراق، بعد سقوط صدام، شهدت البلاد صراعات على الذاكرة بين المكونات المختلفة، ما أثر على حقوق الأقليات مثل اليزيديين والمسيحيين.


الذاكرة وحقوق الأقليات

في صراع الذاكرة الجماعية، تُعد حقوق الأقليات من أكثر القضايا حساسية. السلطة تحدد من له الحق في سرد التاريخ ومن يُحرم من صوته، وتستخدم السيطرة على السرد التاريخي لتكريس الهيمنة وتبرير التمييز وحتى محو وجود الأقليات. يشمل ذلك المناهج التعليمية، الإعلام الرسمي، وتنظيم الفضاء العام. في تركيا، مثلاً، يُجرم أي ذكر للإبادة الأرمنية، مما يقيد حرية التعبير ويعيق المصالحة التاريخية.

حماية الحقوق القانونية للأقليات


من يحمي حقوق الأقليات أمام محاولات محو ذاكرتها؟ تلعب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية دورًا مهمًا، حيث تكفل المواثيق الدولية حق الأقليات في الحفاظ على هويتها والتعبير عن تاريخها وذاكرتها. لكن التنفيذ يواجه تحديات، خصوصًا في الدول المضطربة أو الديكتاتورية.


الخلاصة: الذاكرة قوة الشعب ومفتاح المقاومة


الذاكرة الجماعية ليست مجرد استعادة للماضي، بل قوة حية تشكل الحاضر والمستقبل. السلطات تسعى للسيطرة عليها لتكريس النفوذ، لكن الذاكرة الشعبية تظل أداة مقاومة. حماية الذاكرة الجماعية للأقليات وحقوقها ليست مجرد قضية أخلاقية، بل أساس للعدالة الاجتماعية والسياسية وبناء مجتمعات مستقرة وعادلة. السلطة السياسية قد تملك أدوات القمع، لكن ذاكرة الشعب تملك قوة البقاء والتجدد، وتمكن الأفراد والجماعات من التذكر والمطالبة بحقوقهم.


أُسيمة السعداوي، طالبة ثانوية مهتمة بالسياسة والتاريخ السياسي، تستكشف التحولات الاجتماعية وتحلل القضايا المعاصرة من منظور نقدي واعٍ.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page