حرية التعبير بين المثال والواقع وحدود الوهم
- إيناس معروف

- Nov 19, 2025
- 3 min read
بقلم إيناس معروف

يقال إن بيكاسو أمضى عمره كي يتعلم كيف يرسم كالأطفال. ما الذي يعنيه ذلك؟ ربما لأنه رأى أن الطفل أول من يمتلك حرية التعبير كما هي، بلا قواعد أو خوف أو تقييم. ما إن يبدأ الصغير في إدراك العالم حتى يرسم خطوطًا لا يفهمها أحد، لكنه يفهمها تمامًا لأنها امتداد مباشر لعالمه الداخلي. ثم يكبر ويدخل المدرسة، فيتعلم اللغة ويبدأ بتشكيل الجمل، ومعها تتراجع تلقائيًا حرية التعبير الفطرية التي كان يستند إليها. شيئًا فشيئًا تتدخل القيم والمعايير والأعراف في تشكيل صوته، فيتعلم إرضاء الآخرين قبل إرضاء ذاته.
ومع مرور الوقت تتراكم القيود، فينصهر الإنسان داخل قالب المجتمع ويتبنى قواعده كما لو كانت قدرًا نهائيًا. ينتشر الاعتقاد بأن الموت مع الجماعة رحمة، وأن أي فكرة خارجة عن السائد ينبغي أن تبقى مطمورة في مكان ولادتها. هذه الفكرة القديمة كانت يومًا ما عائقًا كبيرًا أمام تطور المجتمعات.
لكن التاريخ يعاند هذا السكون. بين عامي 1789 و1799 اندلعت الثورة الفرنسية، فخرج الناس لأول مرة ليعلنوا رفض الظلم والاستبداد ويطالبوا بحق الحرية. كانت تلك اللحظة بداية سلسلة من الثورات الأوروبية التي أزاحت ستارًا من العصور المظلمة، وفتحت الباب لعصر جديد يتخذ الحرية والعدالة والمساواة أساسًا له. أصبح الفرد صاحب قيمة مستقلة، وأفكاره وآراؤه جزءًا من المجال العام الذي يجب أن يُسمع ويُحترم.
في 1948 جاءت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتؤكد أن حرية التعبير حق أصيل، وأن من حق الإنسان أن يبحث عن المعلومات، وينقل الأفكار، ويختار الوسيلة التي يعبر بها، سواء كانت مكتوبة أو مطبوعة أو فنية.
تطبيق هذا الحق يبدأ من أصغر الدوائر، داخل الأسرة أولًا. حين يُسمح للطفل بأن يعبر عن ذاته بصدق، ينشأ سليمًا نفسيًا واجتماعيًا. وفي المدارس، فتح المجال أمام الطلاب لطرح الأسئلة والتفكير بحرية يوسع مداركهم وينقلهم من مساحة المحدود إلى مساحة اللامحدود. الأمر ذاته ينطبق على الجامعات والمؤسسات والشركات، فالفرد هو اللبنة الأساسية للحضارة، وحين يُستثمر حقه في الاختيار والتعبير، يصبح المجتمع أكثر قوة ونضجًا.
ومع اتساع هذه المبادئ، ظهر شعار جديد في الدول المتقدمة، شعار يدعو إلى المزيد من الحرية. خرجت الأقليات للمطالبة بحقوقها، وبرزت المرأة لتشارك في الحياة العامة، ثم بدأت تظهر أشكال جديدة وغريبة من التعبير، كأشخاص يرغبون في العيش كحيوانات، أو آخرين يغيرون هوياتهم الجندرية، وكل ذلك تحت مظلة حرية التعبير.
ثم جاءت ثورة إعلامية أخرى. خلال العقدين الماضيين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبحت أداة مفتوحة للجميع، تجاوزت الحدود الجغرافية والدينية والأخلاقية. صار بإمكان أي شخص أن ينشر ما يشاء في أي وقت، وأن يجد من يوافقه أو يعارضه دون أي حواجز. تحولت حرية التعبير إلى شلال متدفق، يروي الأرض حينًا ويغرق المدينة حينًا آخر.
لكن، هل هذه هي الحرية التي نريد؟ وهل الوصول إلى أدوات النشر يكفي؟
هذه الأسئلة أصبحت ملحة جدًا بالنسبة لي بعد سلسلة من المواقف. رأيت امرأة أوروبية تُعتقل فقط لأنها تظاهرت ضد الإبادة في غزة. رأيت حسابي يُقيد لأنني استخدمت كلمات مثل غزة، شهيد، أسير، فلسطين. ورأيت لاعب كرة قدم سنغاليًا يتعرض لهجوم قاس لأنه رفض دعم المثليين احترامًا لقيمه.
فأي حرية هذه التي نصفق لها؟ أين تبدأ؟ وأين تنتهي؟
المرأة حرة في لون شعرها وطول فستانها، لكنها ليست حرة في التظاهر سلميًا رفضًا للقصف. الرجل حر في أن يغير هويته الجندرية، لكنه ليس حرًا في انتقاد الاحتلال. الصحفي حر في تشجيع لاعب كرة، لكنه ليس حرًا في إدانة قتل المدنيين في الضفة. الفنان حر في دعم المثلية، لكنه يصبح خطرًا إذا أعلن دعمه لحق العودة. الفرد حر في إحراق القرآن، لكنه متطرف إذا أحرق علم إسرائيل. رفض الحرب في أوكرانيا بطولة، أما رفض التهجير في فلسطين أو السودان أو أفغانستان فغالبًا ما يُدفن تحت صمت عالمي.
هذه المفارقات تكشف أن حرية التعبير التي تم تصديرها للعالم ليست مطلقة كما تُقدّم. هناك يد تتحكم بالمعايير، ترفع سقف الحرية حين تشاء، وتخفضه حين تشاء.
لقد حان وقت السؤال الجاد: كيف نكون أحرارًا حقًا؟ ليس فقط في التعبير، بل في امتلاك أفكارنا الخاصة غير المزيفة، وفي تحرير وعينا من المفاهيم المدسوسة التي تُبعدنا عن الحقيقة.
إن الحرية التي نبحث عنها ليست شعارًا، بل مسؤولية وفعل ووعي وصوت حقيقي لا يتشكل حسب ما يسمح به الآخرون.
إيناس معروف، فلسطينية من غزة، طالبة لغة عربية وتربية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments