رفح.. المدينة المنكوبة
- هديل أحمد عودة

- Nov 26, 2025
- 3 min read
بقلم هديل أحمد عودة

عرف العالم رفح حين انفجرت بالدم والدمار وحين فاض أهلها بالوجع والتعب. عرفتموها عبر المجزرة، لا عبر الحياة التي كانت تنبض فيها. ولأقرّب الصورة أكثر، في السادس والعشرين من أيار 2024 احترقت منطقة البركسات. تفحمت أجساد النازحين، وتدحرجت رؤوس أطفال صغار.
في ذلك اليوم شاع مصطلح “مجزرة البركسات”، واشتعل وسم “كل العيون على رفح”، وانتشرت صورة الطفل المحروق الذي تنبت من عنقه زهرة. صورة لا تُنسى، لكن هل بقيت في ذاكرتكم؟ هل ما زلتم تتذكرون رفح اليوم؟
في الأسبوع ذاته، في الثامن والعشرين من الشهر، باغت الاحتلال أهل رفح بليلة تشبه الجحيم. لم تعرف المدينة ليلة أشدّ منها. الانفجارات لم تتوقف، والقذائف سقطت عشوائياً، فأصابت معظم المباني التي يزيد ارتفاعها على خمسة طوابق. النوم هجر أعيننا، والخوف صار هواءً ثقيلاً. لم نكن نريد أن نعرف ما يحدث، رغم وضوح كل شيء.
كانت “إسرائيل” تهدد بالاجتياح البري، وقد بدأ في الشرق. أما نحن في الغرب فلم نتوقع أن يصل بهذه السرعة ومن دون حتى منشور إخلاء. كانت المناشدات تتصاعد من الأهالي المحاصرين، والأخبار تتزاحم بقدر كثرة أماكن الاستهداف. وعند الفجر خفت صوت البارود. فهمنا الرسالة. حان وقت الفراق. وقت النزوح.
مع أول ضوء، بدأت حركة النزوح. لا أعرف كيف تمكن الناس من جمع ما استطاعوا حمله ومغادرة بيوتهم ومدينتهم إلى الخيام. شارعنا تحول إلى طريق خروج رئيسي. امتلأت عيناي بمشهد عربات النزوح، وانقبض قلبي ألف مرة.
لم أرغب بالنزوح. لم أُرد ترك بيتي. كان داخلي يقين غامض بأنني إن غادرته فلن أعود إليه، وإن عدت فلن أجده. لكن البقاء وحدي في مدينة مهجورة كان مرعباً. اليوم لا أملك سوى خيمة تشير إلى معنى واحد، أنني نازحة.
بعد عام ونصف من الرحيل، ما زلت أبحث عن جواب لسؤالي: أين كانت عيونكم؟ وأسأل بشكل مباشر من يسمون أنفسهم “المجتمع الدولي”.
قد يقال إن ما حدث قد حدث، وإن استرجاع الماضي لن يغيّر شيئاً. لكن الماضي لم ينته.
في هدنة كانون الثاني 2025 عاد بعض أهل رفح إلى مناطق محدودة. أنا لم أعد. الخوف من رؤية بيتي ركاماً شلّ قدمي. بعد شهر فقط، خرق الاحتلال الاتفاق. هاجم ليلاً وقتل مسعفين كانوا يستجيبون لنداءات استغاثة. ذهبوا بدافع إنساني خالص، فقتلهم الاحتلال ودفنهم في حفرة وأحرق سيارتهم.
لن أنسى الأب الذي كان يتصل بابنه ليطمئن أنه خرج من المدينة. في طريقه صادف جسداً ممدداً وهاتفاً يرن بجانبه. حاول الرد ليطمئن الأب، فوجد أن الجسد هو ابنه. ولن أنسى الأب وابنيه الذين استشهدوا معاً. كل هذا حدث في شهر رمضان. يومها، أين كانت عيونكم؟ لماذا لم يرفع العالم وسم “كل العيون على البركسات” من جديد كي لا يترك 300 ألف إنسان متعلقين بأمل كاذب؟
قد يقال أيضاً إن العيون كانت مشدودة إلى حدث ظننتم أنه انتهى. وإن المجتمع الدولي كان غارقاً في خمول، فلم يقترح حلاً ولا حتى إرشادات بسيطة لتجنب تكرار ما عاشه الناس في رفح.
فلننظر إلى الحاضر.
مرّ أسبوعان على وقف إطلاق النار، ولا يوجد ذكر رسمي لرفح. يقال في الخطابات “العودة ستكون في المرحلة الثانية”، من دون تحديد زمن لهذه المرحلة. هناك 300 ألف نازح ينتظرون العودة إلى مدينة محيت بالكامل تقريباً بسياسة الأرض المحروقة. تشير الإحصاءات إلى أن 95 في المئة من رفح مدمّر. ومع ذلك، أهلها يريدون العودة. بينما العالم يردد أن “غزة تحررت”، ولا أحد يسأل عن رفح.
في قطاع غزة اليوم، توجد مدينة كاملة ما زالت منطقة خطرة. مدينة اسمها رفح. سكانها يعيشون على الشائعات. شائعة تقول إن الإعمار سيبدأ قريباً. أخرى تقول إن المعبر سيفتح للعودة، ثم يأتي النفي. شائعة تزعم أن الأرض لن تعود لأصحابها، وأنهم سيحصلون على شقق بدلاً من أراضيهم.
لكن الحقيقة ثابتة. أهل رفح يريدون إعمار رفح بأيديهم. هم أصحاب الأرض، وهم من دفع الثمن، ولن تُفرض عليهم خطط تُصاغ في الخفاء. أي مشروع إعمار لا يمر عبر أهل رفح لن ينجح.
وبينما تتقافز الشائعات صباحاً ومساءً، وأنا على كارة الحمار بين الخيام، يجتاحني شوق هائل لأرى رفح. لأرى دمارها، لأقف هناك وأقول: هم يرونها ثمينة فلا يتنازلون عنها، ونحن نراها أثمن ولن نتخلى عنها. لكنها ما زالت خطرة وسأحمي حياتي.
أكتب اليوم لأقول لما يسمى المجتمع الدولي إن رفح هي الخيط الأخير الذي يختبر صدق ادعاءاتكم بأن القوانين تنطبق على الجميع. ابحثوا عن حل يصون هذا الخيط، كي تحافظوا على “هيبة قوانينكم”، ولتكون المرة الأولى التي تُطبَّق فيها على الفلسطيني فعلاً، لا في البيانات فقط.
هديل أحمد عودة، كاتبة فلسطينية ناشئة من قطاع غزة، تتمحور كتاباتها حول أدب المقاومة، وتسعى إلى ترجمة جراح شعبها إلى نصوص تنطق باسم الأرض والإنسان.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments