top of page
  • Instagram

المرأة العربية بين الثورة الرقمية وسجون التقاليد

  • Writer: سحر حسب الله عبّد
    سحر حسب الله عبّد
  • Oct 26, 2025
  • 3 min read

بقلم: سحر حسب الله عبّد


المرأة و التقاليد

فتحت الثورة الرقمية أمام المرأة العربية آفاقًا لم تكن متاحة من قبل. من خلالها، استطاعت أن تعبّر عن نفسها بحرية، وتشارك أفكارها وتجاربها مع العالم، فخرجت أصوات كثيرة من صمتٍ طويل لتتحول التجارب الفردية إلى قضايا عامة تلامس المجتمع العربي والعالمي على حد سواء. لم يعد وجود المرأة على الإنترنت مجرد حضورٍ افتراضي، بل أصبح وسيلة تأثيرٍ ومشاركةٍ حقيقية تكسر الصمت التقليدي وتبرز دورها الفاعل في الحياة العامة.


لكن هذه الحرية الرقمية ليست مطلقة. فبينما تمنح التكنولوجيا مساحة واسعة للتعبير، تبقى القيود الاجتماعية والتقاليد الصارمة والقوانين المتشددة حواجز تحدّ من ممارستها لهذه الحرية على أرض الواقع. وهكذا، يتحول العالم الرقمي إلى ساحة مزدوجة: فضاءٌ للحرية على الشاشة، وسجنٌ اجتماعي في الحياة اليومية، حيث يصبح كل منشور اختبارًا لشجاعة المرأة في مواجهة الأعراف والتحديات.


في كثير من الحالات، واجهت النساء تهديداتٍ مباشرة بسبب حضورهن الرقمي. فالمجتمع قد يتسامح مع بعض التعبيرات، لكنه يشتد قسوةً تجاه أي صوتٍ يخرج عن المألوف أو يتحدى التقاليد. ومع ذلك، لم تعد النساء صامتات؛ بل وجدن في الفضاء الرقمي مساحةً للوعي والمقاومة، حيث تتحول القصص الفردية إلى حراك جماعي، وتصبح الكلمة الواحدة أداة ضغط لتغيير القوانين وإعادة تشكيل الرأي العام.


الأمثلة على ذلك عديدة: الصحفية رنا الحسيني في الأردن كشفت جرائم القتل باسم الشرف وأسهمت في تعديل القوانين. وفي مصر، أطلقت ناشطات حملات رقمية ضد التحرش، دفعت السلطات لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة. أما في لبنان والمغرب، فقد أسست نساء منصات رقمية لدعم وتمكين النساء ومناهضة العنف الأسري، ما أدى إلى تغييرات ملموسة في سياسات الحماية والوعي المجتمعي. هذه النماذج تعكس قوة الكلمة الرقمية وقدرتها على التغيير، رغم ما يرافقها من مخاطر اجتماعية وتهديدات شخصية.

التكنولوجيا، إذًا، لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل تحولت إلى ساحة صراع متكاملة. كل منشور، كل فيديو، كل تعليق هو فعل مقاومةٍ صامتة ضد التهميش. هنا تبرز قيادة نسائية جديدة ,  غير رسمية لكنها مؤثرة ,  تتحرك بين العالم الرقمي والواقع، بين الطموح والخوف، وتعيد تعريف حضور المرأة من خلال مبادرتها وجرأتها على الظهور دون إذن.

لقد أوجدت الحرية الرقمية لغة جديدة للنضال، جعلت من الإنترنت مدرسة مفتوحة وفضاءً لتبادل الخبرات وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي. فحتى الفتيات في القرى النائية أصبحن قادرات على التعلم والتعبير عن آرائهن بحرية لم تكن متاحة سابقًا، مستلهمات من تجارب نساء المدن الكبرى.


غير أن الواقع ما زال يفرض تحديات قاسية. فالتهديدات الاجتماعية والعقوبات القانونية لا تزال قائمة، مما يجبر النساء على تطوير أدوات جديدة مثل السرد الرقمي وتوثيق الحقوق ونشر الوعي بأساليب آمنة. وهكذا تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة قوةٍ ومساءلةٍ لا مجرد أداة ترفيه.

إن قصة المرأة العربية بين الثورة الرقمية وسجون التقاليد ليست مجرد ظاهرة، بل واقع يومي يعكس معركة المجتمع مع ذاته. فكل تجربة رقمية ناجحة تُلهم غيرها، وكل صوتٍ مسموعٍ يخلق أثرًا يتجاوز حدود الشاشة ليصل إلى الشارع والقانون.

اليوم، لم تعد الثورة الرقمية حكرًا على المدن الكبرى، بل امتدت إلى القرى والمناطق النائية، حيث تحولت الهواتف إلى أدوات تحررٍ ومعرفةٍ وتواصل. وتجلت قوة المرأة في قدرتها على تحويل الأصوات الفردية إلى حراك جماعي قادر على تغيير التشريعات، وفرض إصلاحاتٍ اجتماعيةٍ حقيقية.


المرأة العربية باتت تستخدم أدوات متعددة ,  من التدوين إلى البودكاست والحملات الرقمية ,  لتوصيل رسائلها وممارسة نوعٍ جديدٍ من القيادة، قيادةٍ تقوم على التأثير والإقناع لا على السلطة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في تحقيق التوازن بين الحرية الرقمية والحماية الواقعية، حتى لا تظل المرأة عرضةً للعقاب بعد أن تُسمع كلمتها.


الثورة الرقمية لا تكفي وحدها، فهي تحتاج إلى إصلاح ثقافي واجتماعي يرسخ احترام حقوق النساء ويحول الوعي الرقمي إلى واقع ملموس. فالقوة الحقيقية للمرأة العربية تكمن في قدرتها على تحويل التكنولوجيا إلى أداة تغييرٍ اجتماعي وقانوني، تفتح الطريق نحو مجتمع أكثر عدلاً ومساواة.


اليوم، بات حضور المرأة الرقمي امتدادًا لذاكرةٍ جماعية ومسرحًا لإثبات الوجود، حيث تسجل كل مشاركة وكل شهادة رقمية فصلًا جديدًا من فصول المقاومة النسائية. إن الصوت الذي لم يعد يُسكت، سيواصل شق طريقه نحو الضوء، مؤثرًا في الوعي والواقع معًا.


سحر حسب الله عبّد- كاتبة وشاعرة عراقية حائزة على جوائز عربية ودولية، وعضو اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page