السحر: الاستخدام البدائي للغة
- إسلام يوسف

- Nov 10, 2025
- 3 min read
بقلم إسلام يوسف

دائمًا ما يشغلني السؤال عن أول صوت خرج من فم إنسان، عن أول لحظة استخدم فيها الكائن البشري اللغة. ذلك الصوت البدائي الذي أراد صاحبه به أن يُنبّه آخر لوجوده، أن يقول "أنا هنا". ما الذي أراد أن يوصله؟ ففي زمن لم تتشكّل فيه المفاهيم الكبرى ولا المثل المجرّدة، ماذا كان يريد أن يقول؟
ربما لم يكن يريد أن ينقل فكرة محدّدة، بل أراد أن يشارك الآخر إحساسًا كونيًا، أن يضعه في الموقف نفسه الذي يعيش فيه هو، أن يجعله يرى الجمال الذي يراه. لم تكن الصيحة الأولى لغةً بمعناها المتداول، بل كانت طقسًا، نداءً يحمل طاقة وجدانية غامضة. ومن هنا كانت اللغة، في جوهرها، سحرًا.
فاللغة ليست مجرّد أداة للتعبير، بل تعويذة تتكوّن من عناصر متشابكة: صوت، إيقاع، نَفَس، طاقة. باستخدام الحروف والنطق والموسيقى الداخلية للكلمات، نستطيع أن ننقل للآخرين شيئًا يتجاوز المعنى، طاقةً تُوقظ شيئًا في الوعي. إن اللغة موسيقى، والكلمات ألغاز تُفكّ بالتجربة، تنقل الوجدان من شخص إلى آخر. تلك هي المعجزة التي لا يصنعها سوى الإنسان.
لكنّ اللغة، كما أراها اليوم، فقدت شيئًا من سحرها القديم. فقدت طاقتها الأولى، وصار الكلام فعلًا ميكانيكيًا منفصلًا عن جوهره. في الزمن البدائي، كانت الكلمة مقدّسة، والحرف موسيقى، والنطق فعل خلقٍ جديد.
الصوت البدائي وبذرة الطاق
كيف وُلدت هذه الطاقة الصوتية؟ وكيف تمكّن الإنسان من اكتشافها داخله؟
في هذا السؤال اتجاهان رئيسيان: الأسطورة، والتطوّر.الأسطورة تروي أنّ الإنسان اكتشف صوته فجأة بإلهام إلهي، كما في الحكايات البوذية القديمة، بينما يصف التطوّر عملية طويلة امتدت لآلاف السنين، تطوّرت خلالها الحنجرة، والمجتمع، واللغة.
لكنّ التراث السحري في الثقافات القديمة حفظ لنا ما يشبه البقايا الأولى لهذا الوعي الصوتي، إذ نجد في الشعائر والممارسات السحرية محاولات لتفعيل "الطاقة" الكامنة في الصوت. فحين يتلو الساحر تعويذته، لا يعتمد على معناها فحسب، بل على طاقتها النغمية، على الاهتزاز الذي تحدثه الحروف.
في اللغات الشرقية القديمة، مثل العبرية والعربية والفارسية، التي تشترك في جذور صوتية واحدة، نجد أثر هذا السحر. فعندما يسمع عربيٌّ نصًا عبريًا دون أن يفهمه، يشعر مع ذلك بأن في صوته طاقة مألوفة. المعنى يغيب، لكن الوجدان يتلقى الذبذبة. وهكذا يصبح الصوت ذاته فعلًا سحريًا، استخدامًا بدائيًا للغة بوصفها طاقةً محضة.
الاستخدام السحري للغة: من القبالة إلى التراث المغربي
في التراث اليهودي، تمثّل القبالة (الكابالا) الشكل الأعمق للتصوّف، قبل أن تتحوّل إلى منظومة من التعويذات. تقوم الفكرة على أن التوراة وُجدت قبل خلق العالم، وأن الحروف التي تكوّنها هي البنية الخفية للكون. كل حرف عضو في الجسد الكوني، وأي خلل في ترتيبه يهدّد العالم بالفساد.
تقول الأسطورة إن التوراة نزلت على سبعين أمة بسبعين لغة، وأن لكل إنسان حرفًا منها هو جوهر كينونته. ومع مرور الزمن، تطوّر هذا التصوّر إلى فكرة "الدورات الكونية"؛ فكل دورة تمتد سبعة آلاف سنة، ولكل منها توراتها الخاصة. نحن، وفقًا لهم، في دورة ناقصة، لأن حرفًا واحدًا—هو الشين—مفقود من التوراة الحالية، وهذا سبب فساد العالم.
بهذا التصوّر، تصبح الحروف أدوات خلق، ويغدو النطق بها فعلًا كونيًا. ومع تحوّل الرمز إلى طقس، وُلد سحر الحروف والأرقام، الذي شكّل جوهر السحر القبالي لاحقًا.
الجذور الإيرانية – الشيعية
في التراث الشيعي، نجد مفهومًا موازيًا في فكرة "أمّ الكتاب"، وهو الكتاب الباطني الذي يحوي الأسرار الإلهية. القرآن هو الظاهر للعامة، وأمّ الكتاب هو الباطن للخاصّة. الحروف هنا ليست رموزًا جامدة، بل مفاتيح طاقة لا تُفكّ إلا لمن بلغ مرتبة معرفية وروحية معيّنة.
في التأويلات الشيعية، لكل حرف معنى خفي، ولكل آية طبقة من الرموز. مثلًا، فُسّرت عبارة حم والكتاب المبين على أن "حم" ترمز إلى محمد، و"الكتاب المبين" إلى علي، و"الليلة المباركة" إلى فاطمة. هذه القراءة الرمزية تجعل النصّ حيًّا، يتجاوز المعنى الحرفي ليغدو كيانًا من الطاقة.
التأثير المتبادل
انتقلت هذه المبادئ من التصوّف الشيعي إلى التصوّف اليهودي، ثم إلى الصوفيّة الإسلامية. مصطلحات مثل "الإمام" و"القطب" و"الولي" تشير جميعها إلى الوسيط بين الإلهي والبشري. وحين التقى الصوفيون المغاربة باليهود في الأندلس، حدث تلاقٍ عميق بين المدرستين، فانبثقت أنظمة رمزية جديدة تجمع بين الحرف، والصوت، والرؤية.
خاتمة: دراسة السحر لإنقاذ اللغة
إن دراسة السحر ليست بحثًا في الغيب، بل محاولة لاستعادة الطاقة التي كانت تسكن اللغة. فحين تحوّلت الكلمات إلى تعاويذ ورُقى، كانت تمارس وظيفتها الأصلية: الخلق، التأثير، التحوّل.
صحيح أن ذلك الاستخدام بدائيّ، وربما منحرف عن روح التصوّف، لكنه يعيدنا إلى جوهر اللغة ككائن حيّ ينبض بطاقة كونية. فالكلمة الأولى لم تكن أداة تواصل، بل فعل خلق.
كما جاء في سفر التكوين:
في البدء كانت الكلمة.وفي التراث الإسلامي: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
الكلمة هي السحر الأول، والصوت هو الدليل على أننا أحياء.
إسلام يوسف – فنان مصري متعدد المواهب في الفنون البصرية والكتابة والإخراج.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments