top of page
  • Instagram

يوم الختان… ذكرى لا تخصّ المرء وحده وجرح لا يلتئم

  • Writer: شيماء جلهوم
    شيماء جلهوم
  • Dec 21
  • 3 min read

بقلم شيماء جلهوم


ree

الذكريات لعنة لا تفارق أصحابها مهما ابتعدوا. وفي زمن مضى، حملت النساء ذكرى واحدة مشتركة، أخفينها في أبعد زاوية من الذاكرة. كانت تأتي وتذهب، تراوغ أحيانًا وتطفو أحيانًا أخرى، لكنها لم تختفِ يومًا.في مواسم الإجازات الصيفية، قبل اختراع الأنشطة والكورسات والمصايف، كانت العطلة مناسبة لإنجاز “المهمة الشاقة”، لقطع الوتر. وفي كل صيف، كانت تتجدد ذكرى يوم “الطهارة”.


رغم كل ما يحاصر المرأة اليوم في مصر من أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية تعرقل تقدمها، فإنني، وكثيرات من بنات جيلي، نغبط جيل الألفية على الوعي الذي كنا نحن وقوده. دفعنا الثمن من أعمارنا وذاكرتنا وأجسادنا، كي ينعم هذا الجيل بقدر أكبر من الحرية. قلنا نحن كثيرًا من “نعم”، ليتمكنّ هنّ من قول “لا”.


في التسعينيات، لم تكن المصطلحات التي نستخدمها اليوم لوصف الظواهر الاجتماعية المرفوضة قد ظهرت بعد. لم يكن هناك حديث عن التنمر أو التحرش أو الختان، لا في الأوساط الشعبية ولا في غيرها. لم يكن ذلك جهلًا بقدر ما كان صمتًا.


في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، لم يكن من السهل على فتاة أن تخبر أسرتها بتعرضها للتحرش. “البنت سمعة”، عبارة تختصر كل شيء. يُدفن الأمر، وتُعاقَب الفتاة بالعزل والمنع، وعليها الطاعة أو العقاب. وفي حالتي، نلت العقاب فعلًا.

عُوقبت مرتين على فعل لم أفهمه. يد تُسحبني إلى بيت خلفي، صراخ، ثم هروب إلى حضن أمي، التي استقبلت فزعي بصفعة على وجهي. لم أفهم لماذا تُضرب الضحية ويُترك الجاني. منذ ذلك اليوم، صرت أصدق كل ضحية، وأدين كل الجناة.

تكتمت أمي على “جريمتي” التي لم أرتكبها، وفقدت جيشي الذي احتميت به. وبعد يومين، جاءت امرأة غريبة… عرفت لاحقًا أنها العقاب الثاني.


كان بيتنا في بولاق أبو العلا عامرًا دائمًا بنساء الحي. أمي الأرملة كانت مركز تجمعهن اليومي. لكن وجه تلك المرأة كان غريبًا.“أم شحاتة”.لا تزال ملامحها الحادة حاضرة: طويلة، مهيبة في جلبابها الأسود، بشرتها الداكنة، وسنتها الفضية التي كانت تزيّن ابتسامتها وتبعث الرعب في قلبي. جلست بجوار أمي، تتنقل بنظراتها بيني وبين شقيقتي. كلمات قليلة، ثم أخبرت أمي أنها ستعود في اليوم التالي قبل المغرب. وعند مغادرتها، مسحت بيدها الباردة على وجهي، فانتقل البرد إلى قلبي.


في صباح اليوم التالي، جاءت صديقتي زيزي، جارتنا. كنا نتقاسم اللعب والطعام والبراءة. لكن وجهها حمل خبرًا مختلفًا:– انتي عارفة إيه اللي هيحصل النهارده؟– لا.– هيطهروكي.

لم أفهم. كنت في التاسعة. لم أعرف معنى “الطهارة”، ولا أين تكمن “نجاستي” التي قررت أمي إزالتها دون أن تخبرني. عرفت من زيزي أن الأمهات اتفقن مع “الداية أم شحاتة”. تلك اليد الباردة التي لم تفارقني حتى اليوم.

جاء المساء وجاءت هي. أعدّت أمي الغرفة: ملاءة نظيفة، بخور، ماء ساخن، وأكياس ثلج. راقبت أم شحاتة وجهي المرتعش، وضحكت قائلة:“ما تخافيش… تلج وبكره أجيلك”.


لم أسمع باقي حديثها. ركضت نحو الباب، خرجت أصرخ عند أم صديقتي:“خبيني والنبي”.ضحكت وربتت على كتفي:“ما تخافيش… كل البنات كده”.


لم تطمئنني ضحكتها. ذهبت هي إلى أمي، وجاءت النسوة. اختبأت تحت سرير صديقتي، لكنهم وجدوني. حملوني وأنا أصرخ.

لا أنسى وجه أمي واقفة على باب الغرفة، عاجزة عن الاقتراب. ولا أنسى أيدي النساء الأربع التي كبّلتني، وأنا أصرخ بكل ما أوتيت من قوة. ثم انتهى الأمر.


غادرت أم شحاتة، على أن تعود بعد يومين. وضعت ما قطعته في قماشة بيضاء، أضافت الملح، وربطتها جيدًا، ثم وضعتها تحت وسادتنا أنا وشقيقتي، وطلبت من أمي أن ترميها في النيل بعد أسبوع. لا أدري كم حمل النيل من أفكار البشر وجرائمهم. أوصت بإطعامنا أرنبًا كاملًا “تعويضًا للدم”، وبالجلوس يوميًا في ماء ساخن ليسرع الالتئام.مرّت خمسة وأربعون عامًا، ولم يلتئم الجرح.


شيماء جلهوم - صحفية مصرية، عملت في العديد من المواقع المصرية والعربية، وحاصلة على جائزة الصحافة المصرية في القصة الإنسانية.

Comments


bottom of page