قوارب الورق.. أطفال البحر الأبيض المتوسط بين الحلم والموت
- دعاء بوسبولة

- Nov 6
- 4 min read
بقلم دعاء بوسبولة

عن ماذا أكتب؟ لأيام لم أقرر، لكثرة مآسينا الممتدة من طنجة إلى جاكرتا. فقلبنا الفلسطيني ما زال ينزف، بل إن النزيف قد اشتدّ في غزة، ولم نزودها حتى بكيس دم واحد.
ثم يظهر لي فيديو لمراهقين صغار، أو بالأحرى لأطفال، يعتلون قاربا في عرض المتوسط متجهين نحو إسبانيا. للوهلة الأولى لن تصدق، ستقول إنها صورة مفبركة، أو شائعة، أو مقطع وُلد بالذكاء الاصطناعي. ثم تعيد النظر في مصدر الخبر، وبعد أن تراه منشوراً في أكثر من وسيلة إعلامية موثوقة، تدرك مرغماً أنه حقيقي.
في الحقيقة، هذا المشهد ليس جديداً عليّ. لطالما سمعته من تلاميذي في مراحل مختلفة. أنا مدرسة أحياء في الإعدادي، وهؤلاء الصغار في مثل أعمار من أدرّسهم. كلما فتحنا مجالاً للنقاش في نهاية الحصة ـ وأحياناً في منتصفها ـ عن أحلامهم ومستقبلهم، فاجأني شغفهم بالهجرة، بل أرعبني. يتحدثون عنها بأشكالها الملتوية، فأسرع إلى تغيير الموضوع بعد نقاش ليس بقصير.
أرى في عيونهم رغبة جامحة، يصفونها بأنها قوارب الأمل والحياة والنجاة، وأصفها لهم بأنها قوارب الموت. لكن جملتي الأخيرة لا تُحدث فارقاً، ولا تبدل فيهم شيئاً.
لا أتساءل ـ ولا أظن أحداً يفعل ـ لماذا يقدم شبابنا بل أطفالنا على ركوب قوارب الموت؛ فالأسباب معروفة لنا جميعاً. السؤال الحقيقي هو: إلى متى؟
إلى متى سيعتلي شبابنا وأطفالنا هذه القوارب؟ إلى متى سيسيرون نحو حتفهم حاملين شعارات الحلم والمستقبل؟ منذ متى صار الأطفال يفكرون بمستقبلهم بهذا الشكل الجدي، الذي يدفعهم إلى طرق محفوفة بالمخاطر كهذه؟ وكيف لطفل أن يخاف البطالة إلى هذا الحد؟
استأجروا قاربا بنية السرقة، حاملين معهم الوقود. قالوا إنهم استعانوا بتطبيق على هواتفهم يوجّههم خطوة بخطوة، وإنهم يعرفون البحر جيداً ويعملون فيه منذ سنوات طويلة. وأضافوا أنها محاولتهم الثانية بعد فشل الأولى.
هذه "البطولة" شاهدها أطفال آخرون في أعمارهم، وتلك هي الفاجعة الكبرى. فقد نقلوا ما رأوه "نجاحاً" ليكون قدوة لغيرهم، حجة لمن بعدهم. ويا لها من حجة! فقد ارتسمت صورة "الأبطال" في أذهان أقرانهم.
تعال وناقشهم الآن! سيقولون لك بثقة: "لكنهم نجحوا، لقد وصلوا، إنهم أبطال!" كم هو مؤلم هذا المنطق.
بدأنا نسمع الآن عن محاولات مشابهة من أطفال آخرين، ويجري البحث عنهم في ولاية وهران.
الأكيد أن الهجرة الشرعية شيء جميل، تفتح آفاقاً نحو الآخر وتضيف لصاحبها خبرات فوق خبرات. أما قوارب الورق هذه فليست كذلك مطلقاً. إنها واقع مرّ يعكس مأساة هؤلاء الشباب في أوطانهم، تلك الأوطان التي ترفع شعارات "الشباب أولاً".
فمن يتحمل المسؤولية؟ هل الوطن وحده؟ أم هي جريمة مشتركة يقتسمها مع الأسرة والمدرسة وحتى "الحرّاقة" أنفسهم؟ خاصة أن الفئة الأكثر عرضة لذلك هم المشردون والمتسربون من مقاعد الدراسة والمتعاطون.
هل هي مشكلة أسرية؟ تربوية؟ اجتماعية؟ اقتصادية؟ أم أنها وطنية قبل كل شيء؟
عندما يصبح وصول شاب إلى شواطئ أوروبا وهو جثة هامدة أحبّ إليه من البقاء على أرض وطنه، فهنا تكمن الكارثة.ترسخت الصورة: قوارب ورقية سرعان ما تبتل وتنكمش وتذوب وتختفي في المتوسط، كأنها ذرات من ملحه.
قوارب تمخر البحر في الاتجاه ذاته، من الساحل الإفريقي إلى أوروبا، مئات الكيلومترات من الموت.
كيف نحل المشكلة؟ أم أنها قضية شائكة؟ فهي في النهاية قضية الوطن، والبديل الذي لن يكون وطناً أبداً.
ولنفترض أنك حصلت على الجنسية بطريقة ما، هل ستكون مواطناً أوروبياً أبيضَ مثلهم؟ أم ستبقى على الهامش دائماً، هامش المجتمع وهامش الحياة، مواطناً من الدرجة الثانية مهما قدمت لهم من تضحيات، ومهما كدحت وبذلت من عمرك؟
ستبقى ذلك "المهاجر غير الشرعي"، هذا إن أحبك البحر وقاربك الورقي، وألقاك بود على ساحل أوروبي.
شمال العالم عنصري حتى مع المهاجر الشرعي الذي يساهم في اقتصاد أوروبا أكثر من بعض أبنائها أنفسهم.
وقد نجح الكاتب الجزائري عمارة لخوص في توصيف "الغربة" بشكل مؤلم في روايته كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك. الذئبة هنا هي "روما"، بمعنى الغربة نفسها.
روما التي تحتقر "النابوليتاني" القادم من الجنوب، كيف ستتعامل مع الإيراني والبنغالي؟
مع ماريا كريستينا القادمة من البيرو، ومع أحمد القادم من "البهجة"؟
أسئلة كثيرة يطرحها الكاتب: هل الهجرة جريمة؟ ومن هو الإيطالي حقاً؟
أحمد الذي صار اسمه "أمديو"، ويتحدث الإيطالية أفضل من الإيطاليين أنفسهم!
ولنقل إن اللغة أنقذته، فماذا عن إقبال أمير الله البنغالي، وبارويز منصور صمدي الذي يطعم الحمام في ساحة فيتوريو وكأنه في مدينته شيراز؟
وماذا عن الكسكس؟ هل يُؤكل في مطعم مغربي، أم أنه "كحليب الأم تماماً، له رائحة مميزة لا تُسترد إلا بالاحتضان والتقبيل"؟ وما أقسى أن تصوم رمضان في روما بعيداً عن "البهجة"، ومثلها العيدان الصغير والكبير.
ويضيف لخوص: "ما أجمل أن نتحرر من قيود الهوية التي تقودنا إلى الهاوية. من أنا؟ من هو؟ من أنت؟ من أنتم؟ يا لها من أسئلة تافهة."
نجحت الرواية في وضع علامة استفهام حول مفهوم المواطنة في إيطاليا، كنموذج عن أوروبا.
وقد تابعت مؤخراً وثائقياً على منصة الجزيرة 360، من تقديم الصحفي المغربي محمد الرماش بعنوان مواطنون درجة ثانية، تناول فيه القضية ذاتها.
فإلى متى سنسعى نحو أوطانٍ أخرى؟ ونحلم بوطنٍ خارج حدود الوطن؟
أرضنا ـ رغم اتساعها ـ تضيق بنا يوماً بعد يوم.
فهل سنسعى لحلّ واقعيّ أفضل لنا، لشبابنا وأطفالنا، أم سنرضى بما نعتقد أنه قدرنا؟
هل سنترك البحر يبتلع مزيداً من الأحلام الورقية، لنعتاد الصدمة كل مرة أكثر من السابقة؟
سبعة أطفال في عرض المتوسط، أطفال "حرّاقة" كما نقول في لهجتنا المغاربية، لأن الأوائل منهم كانوا يحرقون أوراقهم الثبوتية حال وطئهم أرض أوروبا.
لكنني لا أدري، أتحترق الأوراق حقاً أم هي الأرواح التي تحترق هناك، في عرض البحر؟
في عرض المتوسط، كم من الأرواح راحت "حرّاقة"... وكم ستروح بعد؟
دعاء بوسبولة، كاتبة وصحفية جزائرية مبتدئة، مدرسة أحياء، باحثة وطالبة علم.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments