top of page
  • Instagram

الغرق المهين

  • Writer: هديل أحمد عودة
    هديل أحمد عودة
  • Nov 17
  • 2 min read

بقلم هديل أحمد عودة


ree

احتد صوت الرياح حتى خيل لي أنه طائرات العدو. وتوقعت أختي، التي كانت تجلس معي في الهواء في جلستنا الليلية المعتادة، أن الصوت ناتج عن تحريك ألواح صفيح. لكن توقعاتنا سرعان ما خابت، وعرفنا أنه صوت كارثة داهمة.


بدأ الغرق برشرشة أمطار خفيفة لا تُعاتب، ثم فجأة اشتدت وتحولت إلى وابل من القطرات بحجم الحصى. ذهبنا إلى خيمتنا معتقدين أنها ستكون حصننا المنقذ، لكن أي حصن هذا المكوَّن من قماشة؟ لم تمضِ لحظة حتى رأيت السقف ينقط، ووجدت صحون الحديد التي وضعتها عصرًا قد امتلأت بالمياه، وترشقت قطراتها على فراشنا. لم أدرِ إن كانت الشمس سترفق بحالنا وتجفف مآسينا وأغراضنا.


ركضت تحت المطر إلى المطبخ، أحمل جاطًا متوسط الحجم وطنجرة من الألومنيوم. لم تمضِ عشر دقائق حتى انهزمت خيمتنا، التي ذاب قماشها تحت الشمس الصيفية، وامتلأت سبع إناءات بالمياه. حاولنا رفع السقف لتصريف المياه، لكن الأمطار كانت غزيرة والإناءات تمتلئ بسرعة، حتى سكبتُ ما يقارب العشرين إناءً من المياه الملوثة بالغبار عبر نافذة صغيرة.


تبللت ملابسنا وأقدامنا، وأنا التي لجأت إلى الخيمة لأحتمي، تبللت من الداخل. شعرت بالغرق المؤلم، وبأوجاع الواقع الذي كنت أتعامل معه على أنه مؤقت. لم أجد دمعة أذرفها حين رغبت بالبكاء، ربما لأنني أنا الشيء المؤقت وليس الواقع نفسه. قلت في نفسي: "ربما الغيوم قد سحبت دموعنا لتزيد من مأساويتنا".

في محاولة الصمود، حاولنا تبني روح الفكاهة، وضحكنا على الإهانة التي يفرضها علينا العيش. تركت السقف يتراكم عليه المطر، حتى أصبح يسكب خيطًا مستمرًا من الماء، كصنبور مفتوح أمامنا. لاحظت زاوية من الخيمة تجمع المطر بكثافة، فقلت بسخرية: "هيا لنحلب البقرة!" ورفعت السقف لأسكب المياه.

الأمطار تشتد، والمياه تتسرب إلى أغراضنا، والسقف يبكي مع الغيوم. كنت فوق كومة أغراضنا، أنتظر أن يصيبها السيل لأبكي، بينما صراخ الناس ارتفع حولنا. رأيت من نافذة خيمتنا خيمًا أخرى تهشمها السيول، وأغراض أطفال تتدفق فيها المياه المختلطة بالصرف الصحي.


كان هذا الشتاء الثاني لي في خيمة، وكان أصعب من الأول، إذ جمع بين كل ما رأيته في الشتاء السابق وساعات من العناء الجديد. لم أنم على فراشي، بل نمت بملابسي المبتلة، غير عابئة بمكاني على ذلك الجبل الصغير من الأغراض. تأملت الغرق المهين وأنا أعي كرامتي، كإنسانة تعيش في عصر محتضر.


قبل أن أكون لقبًا أو اسمًا علميًا، قبل أن أكون الطفلة المتحمسة لرؤية المطر من شرفتها، كنت اليوم شخصًا يشارك المعاناة، أدرك أن المطر رفاهية للبعض وكارثة للآخرين. أدركت أن قطرات المطر هذه المرة كانت دموعي التي لم أستطع إدرافها حين نزحت من بيتي الذي دُمر على يد الاحتلال. حين اعتقدت أنني لن أفقد أحبائي، لكنهم استشهدوا.


حين جاعوا وعطشوا ورأوا ما لا يمكن تحمله، كانت هذه قطرات المطر شهادتي على الواقع، الغرق المهين، والصبر على ما لا يطاق.


هديل أحمد عودة كاتبة فلسطينية ناشئة من قطاع غزة. تتمحور كتاباتها حول أدب المقاومة، وتسعى لترجمة واقع وجراح شعبها إلى نصوص أدبية تتحدث باسم الأرض والإنسان.

الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.


Comments


bottom of page