الهجرة بين سنن الماضي وتحديات الحاضر: من القرى إلى المدن
- عبدالوهاب عفان

- Oct 26, 2025
- 2 min read
بقلم عبدالوهاب عفان

منذ وجود الإنسان على الأرض، كانت الهجرة جزءًا أصيلًا من تجربته. لم تكن مجرد انتقال جسدي من مكان إلى آخر، بل حركة تحمل في طياتها آمالًا بالخلاص، بحثًا عن الرزق، أو رغبة في الأمان. عبر التاريخ، شكّلت الهجرة نقطة تحول للأمم، بدءًا من هجرة الأنبياء والصالحين، وصولًا إلى هجرة الفلاح من قريته الصغيرة نحو المدينة المزدحمة في عصرنا الحالي.
عمار والفراغ
يحكى أن رجلاً بسيطًا من إحدى القرى يُدعى "عمار"، كان ينهض مع الفجر ليحمل معوله ويخرج إلى الحقل. تربى على الأرض وسقى زرعه بعرق جبينه، لكنه لاحظ مع مرور السنين أن القرية لم تعد كما كانت: الشباب يغادرون الواحد تلو الآخر، المدارس فارغة، الدكاكين موصدة، وحتى الأعراس صارت نادرة.
تساءل "عمار": لماذا يتركون الأرض التي ورثناها عن الأجداد؟ الإجابة كانت بسيطة ومعقدة في آن واحد: البحث عن فرص أفضل في المدينة.
الهجرة في الماضي (سنن التاريخ)
الهجرة ليست ظاهرة جديدة. فالإنسان الأول هاجر بحثًا عن الماء والكلأ، والأنبياء هاجروا دفاعًا عن دينهم أو طلبًا للأمان، كما فعل إبراهيم عليه السلام، أو كما كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة التي غيّرت مجرى التاريخ.كانت تلك الهجرات ذات أهداف سامية، تضيف معنى جديدًا للحياة وتبني حضارات. كانت جزءًا من صراع الإنسان مع الطبيعة أو مع ظلم البشر.
الهجرة في الحاضر (هجرة القرى والأرياف)
اليوم، لا تختلف دوافع الهجرة كثيرًا عن الماضي، لكنها اكتسبت شكلًا جديدًا. في الجزائر كما في كثير من الدول، تُفرغ القرى من سكانها، وتذبل الحقول التي ترك أصحابها العمل فيها.الهجرة من الأرياف إلى المدن أصبحت تيارًا جارفًا مدفوعًا بعوامل عدة:
البحث عن العمل والتعليم.
غياب البنية التحتية في القرى (مستشفيات، طرق، وسائل ترفيه).
الإعلام الذي يصور حياة المدينة بصورة وردية.
لكن هذه الهجرة تحمل خسائر جسيمة:
ضياع الأراضي الزراعية وتركها بوارًا.
تفكك الروابط الاجتماعية والأسرية.
اكتظاظ المدن وظهور أحياء هشة.
العلاقات بين الماضي والحاضر
الهجرة الناجحة في الماضي كانت مرتبطة ببناء قيمة جديدة: دين، حضارة، علم. أما الهجرة اليوم، فهي غالبًا انتقال جسدي فقط، من فضاء رحب (الأرض والريف) إلى فضاء ضيق مكتظ (المدينة).الهجرات الحديثة غالبًا تفتقد المعنى، فهي لا تحمل مشروعًا واضحًا سوى "البحث عن العيش"، بينما هجرات الماضي كانت تبني هوية ورسالة.
البُعد الإنساني
قصة "عمار" وأمثاله ليست مجرد تفاصيل فردية، بل مرآة لآلاف العائلات. هناك شوق دفين للأرض القديمة، وحنين للبيت الطيني والحقول الخضراء، لكن الحاجة دفعت الأيدي، وخدع بريق المدن العيون.السؤال المؤلم: ماذا لو أدرك شبابنا أن الهجرة ليست الحل دائمًا؟ ماذا لو أعيد الاعتبار للقرية، وزُرعت فيها فرص عمل، وأُحييت مدارسها وأسواقها؟
الخاتمة
الهجرة قدر إنساني متكرر بين الماضي والحاضر، لكن الفارق يكمن في المقاصد. إذا كانت هجرات الأمس صنعت حضارات، فإن هجرات اليوم تهدد باندثار قرانا وضياع أراضينا.التغيير لا يكون دائمًا بالرحيل، بل أحيانًا بالثبات والبناء في المكان. وقد يكون أعظم هجرة في عصرنا: أن نهجر اليأس ونعود إلى الأمل، أن نهجر الهروب ونعود إلى الإعمار.
الدكتور عبدالوهاب عفان – كاتب وباحث جزائري، خبير في ريادة الأعمال والتوعية المالية.
الآراء الواردة في هذا المقال تعكس وجهة نظر الكاتب فقط ولا تمثل آراء نيسابا ميديا.





Comments